Home الصحافة المغربية بين الصحافة والأدب

بين الصحافة والأدب

بين الصحافة والأدب

تجربة الكلام في ندوة “تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب” خلال ندوة فكرية حول “تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي”، نظمتها وزارة الثقافة والشباب والتواصل ضمن البرمجة الرسمية للمعرض الدولي للنشر والكتاب في دورته الحادية والثلاثين، لوحظ إنتاج فيض من الكلام في موضوع استُهلك نقاشاً في السنوات الماضية، بل ولم يعد مطروحاً للنقاش في السياقات الغربية حيث الفروق المهنية بين الصحافة والأدب واضحة وحاسمة. وقد ظهر المشاركون في الندوة كما لو أنهم يتجاهلون أدبياتٍ رصينة درستْ طبيعة هذه العلاقة منذ عقود، والحال أن أوجه التمايز بين الجنسين جلية أمام العارفين، ولا يمكن لسيولة العصر الرقمي أن تطمس تمايز القواعد المهنية الصارمة التي تفصل بين الخبر وتفاصيله من جهة، وبين النص وجمالياته من جهة أخرى. إن قول طلحة جبريل (هسريس 4 ماي 2026) بأن الكاتب يعيش اليوم ازدواجية بين كونه صحافياً يلاحق الخبر وأديباً يلاحق المعنى، هو طرح يكرس في جوهره نوعاً من الخلط الذي أغفلته الندوة. فاستعارة الأدوات الأدبية لا تعني تذويب الحدود المهنية بأي حال من الأحوال. وكان حرياً بالنقاش أن يشير إلى أن بعض الكتاب فقط هم من يعيشون هذه الحالة، دون تعميمها كظاهرة حتمية. وفي سياق متصل، قال ياسين عدنان (حسب تغطية لموقع “سفيركم” بتاريخ 4 مايو 2026) إن الحدود بين الصحافة والأدب صارت تنزاح بالتدريج، مشدداً على أن هذا التداخل لا يعني أن أي صحفي يمكن أن يصبح أديباً بالضرورة، أو أن كل كتابة أدبية قابلة للنشر في الصحافة. غير أن تأكيد ياسين عدنان على أن هذا التداخل لا يعني بالضرورة تحول الصحفي إلى أديب، يبدو في نظري مجافياً للواقع، فالمعطيات القائمة منذ السبعينيات، خاصة في المغرب والعالم العربي، تؤكد أن الآية معكوسة. إذ نجد أن الأديب هو من يسعى حثيثاً لاقتحام العمل الصحفي بحثاً عن الانتشار أو الاستقرار المادي، وليس العكس. هذا التهافت من جانب الأدباء على الممارسة الصحفية، دون إدراك لخصوصية الحرفة وضوابطها التحريرية، هو من ساهم في تمييع القواعد المهنية، حتى بات كثير من القصاصين والشعراء يرتدون جلباب الصحفي دون المرور بمصفاة التكوين أو التدريب الطويل في قاعات التحرير. الندوة إذن أغفلت الحسم في الفروق الواضحة بين الجنسين (سواء في العصر الرقمي أو غيره)، حتى إن بعض المشاركين في الندوة لم يكونوا دقيقين في كلامهم ورددوا عموميات وإنشائيات. وفي اعتقادي، فإن هذا الموضوع تقنيّ بالأساس، وقد سبق وأن نُوقش في مناسبات عدة، لكن الندوة – في رأيي المتواضع – لم تُجب عن السؤال الجوهري، ولم تقف بوضوح عند التباينات بين الكتابة الأدبية والكتابة الصحفية. وإذا كان ثمة خلطٌ اليوم، فهو خلطٌ يقع فيه غير الملمين بقواعد الكتابة الإعلامية وأصولها ممن لم يدرسوا ضوابط العمل الصحفي. كما يبدو لي أن الندوة أغفلت دعوة أسماء مرجعية كان بإمكانها إغناء النقاش بخبرتها الطويلة، وأخص بالذكر هنا محمد جبريل (سكرتير التحرير سابقاً في مجلة لاماليف)، وعبد الرحيم التوراني (صاحب مجلة السؤال سابقا)، وعبد الله بنسماعين (المشرف سابقا على لوبنيون الثقافي). هؤلاء، وغيرهم خبروا كواليس الكتابة الصحفية الحقيقية. إن جوهر الإشكالية يتجاوز مجرد تداخل الأجناس، ليصبح سؤالاً تقنياً وأخلاقياً بامتياز. فالمشهد اليوم يعاني من استسهالٍ مفرطٍ للفعل الصحفي، خاصة بعدما تحولت الوسائط الرقمية إلى ساحة مفتوحة يقتحمها الجميع. وهذا ما أنتج ظاهرة مواقع الميكرو التي تعتمد كلياً على الاستجوابات العفوية، مع تغييب تام لجوهر الصحافة وهو الكتابة والتحرير، وفتح الباب أمام فئات لا تتقن أصول الحرفة ولا تلتزم بقواعدها الصارمة، ليصبح المشهد عبارة عن ضجيج رقمي. وهنا، يمكن الاستنارة ببعض البحوث المنجزة في إطار أكاديمي (دبلوم الدراسات العليا والدكتوراه) كمثل رسالة الباحث المصطفى اجْماهري، صاحب أول رسالة جامعية في موضوع “الصحافة الثقافية في المغرب”. فقد كان هذا الباحث (انظر مقالتي بهسبريس بتاريخ 3 مارس 2026)، الذي اشتغل تحت إشراف الخبير الإعلامي الدكتور زكي الجابر، أحد الذين وضحوا الفوارق الجوهرية بين النمطين من الكتابة، كما قدّم – وللمرة الأولى على مستوى المغرب العربي – تعريفاً شاملا لمهنة الصحفي الثقافي، محدداً أدوارها، وظروف اشتغالها، وشروط ممارستها كمهنة قائمة الذات، لا كملحقٍ للأدب أو مجرد ترفٍ فكري. وفي هذا الصدد، يستحضر المصطفى اجْماهري واقعة دالة خلال زيارته لمقر مجلة لير Lire الفرنسية المتخصصة، حيث أكد له رئيس تحريرها آنذاك، بيير أسولين، أن المجلة لا تقبل مساهمات خارجية ولو جاءت من أساتذة جامعيين مرموقين. والسبب بسيط وصارم في آن واحد: لكل مجال اختصاصه. فالمعرفة العميقة بموضوع ما لا تعني بالضرورة القدرة على صياغته ضمن القوالب الصحفية التي تتطلب مهارات تقنية محددة، وهو ما يثبت أن انزياح الحدود، الذي تحدث عنه بعض المشاركين في الندوة، ليس سوى وهم يتبدد أمام صرامة التخصص المهني. ذلك أن الأديب كائن حالم يخترع مناخات يطغى فيها الخيال على الواقع، بينما الصحفي مُطالب بنقل واقعة محددة إلى جمهور واسع بلغة تقريرية واضحة يفهمها الجميع، ومصاغة وفق تقنيات مهنية صارمة كالهرم المقلوب. ولعلّ الفرق يتجلى مثلا بوضوح في لغة الأرقام والوقائع، فبينما يجنح الأديب للوصف الجمالي بقوله “سقط الغيث مدراراً”، يلتزم الصحفي بالدقة العلمية قائلاً “سجلت المقاييس 30 ملم من الأمطار”. إن العودة اليوم إلى خلاصات رسالة المصطفى اجْماهري تضعنا أمام حقائق موضوعية. لقد وضع الباحث يده، منذ عقود، على مكامن خلل بنيوية من أبرزها: نخبوية الخطاب: خلص اجْماهري في عمله إلى أن الصحافة الثقافية المغربية، في غالبيتها، ظلت أسيرة لغة أكاديمية جافة ومنغلقة، مما خلق هوة سحيقة بينها وبين القارئ العادي، وحوّلها إلى حوار داخلي بين النخبة. أزمة الوسيط المهني: فالصحفي في المغرب (ثقافي أو غيره) هو في الغالب أديب يكتب في الصحافة، وليس صحفياً متخصصا إلا نادرا. هذا الخلط المنهجي هو الذي جعل المادة المنشورة تميل غالبا إلى الذاتية والإنشاء الأدبي على حساب التحقيق والخبر الذي يتسم بالدقة. الشتات المعلوماتي: التحول الرقمي لم يحل أزمة القراءة بل عمّقها، حيث تحولت الصحافة من سلطة معنوية كانت تمارسها في السبعينيات والثمانينيات، إلى شتات رقمي يفقد فيه المحتوى قيمته الرصينة أمام سرعة التدفق المعلوماتي السطحي. بناءً على ما سبق، يتضح أن ما يسميه البعض انزياحاً للحدود ليس في جوهره سوى استمرار لأزمة غياب التخصص التي شخصها إعلاميون سابقون. فبدون الصحفي المتخصص سيبقى الخلط قائما. -كاتب ومؤرخ The post بين الصحافة والأدب appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أحمد لعيونيمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

eleven + 17 =

Check Also

برادة يكشف مستجدات امتحانات البكالوريا وطرق متطورة لمحاربة الغش

قدّم وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، أمام أعضاء مجلس النواب،…