Home اخبار عاجلة ثقل تاريخ لم يُطوَ بعد
اخبار عاجلة - 4 weeks ago

ثقل تاريخ لم يُطوَ بعد

ثقل تاريخ لم يُطوَ بعد

خلال الأسابيع الأخيرة، أبدى جزء من وسائل الإعلام والطبقة السياسية الإسبانية ردود فعل متصاعدة الحدة تجاه كل ما يرتبط بالمغرب، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية. وقد بلغ الأمر في بعض الخطابات حد تقديم المسألة وكأنها مقدمة لـ«غزو» مغربي مفترض، مع استحضار شبح «مسيرة خضراء» جديدة، بل وحتى احتمال تعرض الأراضي الإسبانية في شبه الجزيرة لهجوم. غير أن مثل هذا التفاعل يصعب تفسيره فقط من خلال الأحداث الراهنة. فخلف هذه اللغة الخطابية توجد قضية أعمق بكثير: إنها تحوّل العلاقة التاريخية بين إسبانيا والمغرب، وصعوبة تقبّل جزء من المجتمع الإسباني أن ميزان العلاقات الذي ساد بين البلدين طوال عقود لم يعد هو نفسه. لقد اتسمت العلاقات الإسبانية المغربية، لفترة طويلة، باختلال عميق في موازين القوة. فمنذ القرن التاسع عشر، شاركت إسبانيا في عملية التوسع الاستعماري الأوروبي في شمال أفريقيا، ومارست أشكالًا مختلفة من الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية على المغرب. وتشكل حرب تطوان، واحتلال الريف، والسيطرة الاستعمارية على الشمال، ثم إقامة نظام الحماية، أجزاء من تاريخ لا يزال يلقي بظلاله على العلاقات المعاصرة. فهذا التاريخ ليس مجرد مادة في الكتب، بل لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية، والخطابات السياسية، والطريقة التي ينظر بها البلدان إلى مواقعهما ومصالحهما. ولهذا، فعندما يجري الحديث اليوم عن سبتة ومليلية، فإن الأمر لا يتعلق ببساطة بمدينتين إسبانيتين تقعان في أفريقيا. بل يتعلق أيضًا بحدّ تاريخي لا تزال تأويلاته موضع نزاع. فإسبانيا تتمسك بأن وجودها في المدينتين يعود إلى ما قبل قيام الدولة المغربية المعاصرة، وأنهما، لذلك، لا يمكن اعتبارهما مستعمرتين تنتظران تصفية الاستعمار، بل مدينتين إسبانيتين تقعان في القارة الأفريقية. أما المغرب، فينطلق من رؤية مختلفة، تقوم على استمرارية المجال الترابي والسياسي المغربي، ويعتبر الوجود الإسباني في هاتين المدينتين امتدادًا لواقع استعماري. ويفسر اختلاف المنظورين جانبًا مهمًا من التوتر القائم. لكنه يكشف أيضًا عن تناقض يستحق التوقف عنده. فإسبانيا تطالب باستعادة جبل طارق من بريطانيا، مستندة، من بين حجج أخرى، إلى قربه الجغرافي وإلى الطابع الاستعماري للوجود البريطاني فيه، بينما ترفض أن تُستخدم مبادئ شبيهة في الحالة المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية. صحيح أن الحالتين ليستا متطابقتين من الناحية القانونية، وأن لكل منهما مسارًا تاريخيًا مختلفًا، لكن المقارنة تظل حاضرة بقوة في النقاش السياسي لأنها تكشف إلى أي حد يمكن استخدام الذاكرة التاريخية بصورة انتقائية. وفي حالة سبتة تحديدًا، لا يمكن فصل تاريخها الترابي عن حرب 1859-1860 ومعاهدة واد راس. فقد أدّى ذلك الصراع إلى تغيير عميق في حدود المدينة، وإلى توسيع المجال الواقع تحت السيطرة الإسبانية. أما الذاكرة السياسية المغربية، فتضع هذا التوسع ضمن سياق أوسع من الغزو والتغلغل الاستعماري الأوروبي الذي شهده القرن التاسع عشر. في المقابل، تحاول الرواية الإسبانية وضع بداية الوجود الإسباني في إطار تاريخي أقدم بكثير. ومن هنا يصعب حسم القضية بشعارات وطنية مبسطة. وتشكل ذاكرة الريف نقطة أخرى بالغة الحساسية. فكارثة أنوال سنة 1921 وما تلاها من قمع عسكري إسباني يمثلان أحد أكثر فصول التاريخ الاستعماري مأساوية في شمال المغرب. وقد أُخمدت المقاومة الريفية في نهاية المطاف من خلال عملية عسكرية مشتركة بين إسبانيا وفرنسا، في سياق يرتبط كذلك بجدل تاريخي واسع حول استخدام الأسلحة الكيميائية. وبالنسبة إلى الذاكرة الريفية، لم تكن تلك الحرب مجرد حملة عسكرية، بل تجربة من السيطرة الاستعمارية والدمار والمعاناة، استمرت آثارها في الانتقال من جيل إلى آخر. ومع ذلك، عندما يجري استحضار مشاركة الريفيين في الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1936، كثيرًا ما يتم قلب تسلسل التاريخ. فيُتحدث عن المغاربة الذين وصلوا إلى شبه الجزيرة وكأنهم غزاة أجانب، بينما يجري تجاهل أن كثيرًا من هؤلاء الرجال كانوا ينتمون إلى منطقة خضعت أصلًا للسيطرة الاستعمارية الإسبانية، وأن فرانكو استخدمهم قواتٍ في حرب لم يتسببوا فيها ولم يختاروها. وهكذا يمكن لصورة «المورو» الذي يصل إلى إسبانيا للقتال أن تتحول إلى تمثيل دعائي قوي إذا جرى حذف السياق الاستعماري الذي جعل تجنيد هؤلاء الرجال ممكنًا. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني بأي حال التقليل من جرائم الفرانكوية، ولا إقامة مساواة بين وقائع تاريخية مختلفة. بل يعني توسيع الذاكرة. فالذاكرة الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على تذكر الجرائم التي ارتكبها الخصم، بينما تُسكت الجرائم التي ارتُكبت باسم الذات. لقد عانى الشعب الإسباني من الحرب والدكتاتورية والقمع والمنفى، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون الاعتراف النقدي بالعنف الذي مورس في السابق داخل الأراضي المستعمرة. وتفسر صعوبة التعامل مع هذه الذاكرة أيضًا الحمولة الرمزية لبعض العناصر التي تبدو، للوهلة الأولى، ثانوية. فالأسدان اللذان يحرسان مقر مجلس النواب الإسباني صُنعا من مدافع جرى الاستيلاء عليها خلال حرب أفريقيا. وهما اليوم جزء من الأيقونوغرافيا السياسية لمؤسسة ديمقراطية، ولا أحد يفترض أن وجودهما يشكل دفاعًا عن الاستعمار. غير أن حضورهما يذكّر بمدى اندماج بعض حلقات التوسع العسكري الإسباني في الذاكرة الوطنية اللاحقة. والديمقراطية الناضجة لا ينبغي أن تخاف من فحص رموزها التاريخية نقديًا، لأنها قادرة على القيام بذلك من دون أن تهدد قيمها الحالية. والأمر نفسه ينطبق على الاستخدام المعاصر لكلمة «الاسترداد» أو «Reconquista». فقد استُخدم هذا المفهوم على مدى قرون لبناء قراءة محددة لتاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، مرتبطة بالصراع بين المسيحيين والمسلمين، ثم أُدخل لاحقًا في مشاريع مختلفة لبناء الهوية الوطنية. واستعادة هذا المفهوم اليوم للحديث عن المغرب لا يمكن اعتبارها مجرد اختيار لغوي بريء. فالمصطلح يحمل معه حتمًا بعدًا تاريخيًا وعاطفيًا يتجاوز بكثير حدود السياسة الراهنة. وعندئذ لا يعود الجار مجرد دولة أخرى لها مصالحها الخاصة، بل يظهر رمزيًا بوصفه العدو التاريخي القديم. ويساعد هذا الأمر على فهم جانب من ردود الفعل التي يثيرها اليوم تنامي قوة المغرب. فتحديث قواته المسلحة، وتنويع تحالفاته الدولية، ونمو اقتصاده، وتعاظم حضوره الدبلوماسي، تُقرأ في بعض الأوساط الإسبانية باعتبارها مؤشرات تهديد. لكن نمو قدرات دولة مجاورة لا يشكل، في حد ذاته، عملًا عدائيًا. كما أن تحديث المغرب العسكري لا يثبت تلقائيًا وجود نية لاحتلال أراضٍ إسبانية. والعلاقات الدولية الناضجة تقتضي إدراك أن الدولة تستطيع تعزيز موقعها والدفاع عن مصالحها من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعدادها للحرب. والمغرب الحالي يمتلك، فضلًا عن ذلك، أدوات تفاوضية لم تكن متاحة له قبل عقود. فموقعه الجغرافي، وعلاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة وقوى دولية أخرى، وروابطه الاقتصادية، ودوره في القضايا الاستراتيجية للمتوسط والأطلسي، تمنحه هامشًا للمناورة لا يتوقف فقط على حجم اقتصاده. صحيح أن إسبانيا لا تزال قوة اقتصادية أكبر ودولة أوروبية وازنة، لكن لم يعد بإمكانها النظر إلى هذه الأفضلية وكأنها تعني تلقائيًا القدرة على فرض إرادتها على الرباط. ولهذا، فإن الصمت الذي تنتهجه الرباط في مواجهة بعض الحملات الإعلامية يستحق قراءة أكثر هدوءًا. فعدم الرد الفوري على كل تصريح لا يعني بالضرورة الضعف أو اللامبالاة، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية تقوم على مراقبة التطورات، وجمع المعطيات، وتقييم الخيارات، ثم التحرك عندما ترى الظروف ملائمة. فالسياسة الخارجية لا تُصنع فقط بالتصريحات العلنية، وإنما كذلك عبر التحالفات والقرارات الاقتصادية والمفاوضات الهادئة والقدرة على الانتظار. وعلى إسبانيا أن تستوعب هذا التحول. فالمسألة لا تعني أن المغرب أصبح قوة قادرة على فرض شروطها على المنطقة، كما لا تعني أن جميع مطالبه ينبغي قبولها من دون نقاش، ولا أن جميع المواقف الإسبانية تفتقر إلى الأساس. المسألة أبسط وأعمق في آن واحد: لم يعد بالإمكان تفسير العلاقة بين البلدين من خلال اختلال القوة القديم وحده. لقد تغير المغرب، كما تغيرت المنطقة. وهذا لا يعني إنكار الخلافات أو القضايا العالقة. فسبتة ومليلية ستظلان مسألة حساسة، وستستمر الروايات التاريخية المختلفة في التصادم، كما أن المصالح الاستراتيجية للبلدين لن تتطابق دائمًا. لكن تحويل كل اختلاف إلى دليل على عداء دائم لن يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة. إن إسبانيا تملك فرصة لبناء علاقة مختلفة مع المغرب، لكن ذلك يتطلب التخلص من بعض ردود الفعل الموروثة من ماضيها الإمبراطوري. فلا يمكنها أن تستدعي بعض المرجعيات التاريخية عندما تخدم موقفها، ثم ترفضها عندما يستخدمها الطرف الآخر. كما لا يمكنها أن تتوقع من المغرب أن يقبل إلى ما لا نهاية بعلاقة تقوم على تراتبية تنتمي إلى عصر آخر. والسؤال الأساسي، في النهاية، ليس من يرفع صوته أكثر، ولا من ينتج أكبر عدد من العناوين المثيرة، بل هل تستطيع إسبانيا والمغرب تجاوز قراءة متبادلة تأسست على صراعات قديمة، والاعتراف بأن غرب المتوسط في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى منطق مختلف. لا يمكن تغيير التاريخ، لكن يمكن تغيير طريقة قراءته. ولا تحتاج إسبانيا إلى الاعتذار عن وجودها، كما لا يحتاج المغرب إلى التخلي عن ذاكرته حتى يحافظ على علاقات جيدة مع جاره. ما يحتاجه البلدان هو أمر أكثر صعوبة وأكثر فائدة: ذاكرة قادرة على الاعتراف بعنف الماضي من دون تحويله إلى قدر سياسي يحكم الحاضر. فالخطر الحقيقي ليس في تذكّر التاريخ، وإنما في استخدامه لصناعة أعداء أبديين. وطالما أن جزءًا من إسبانيا لا يزال ينظر إلى المغرب من خلال أشباح أنوال و«الاسترداد» والحماية والحرب الأهلية سنة 1936، وطالما أن جزءًا من المغرب لا يزال ينظر إلى إسبانيا من خلال جراح الاستعمار وحدها، فإن البلدين سيواصلان، جزئيًا، العيش في الماضي. أما مستقبل الضفتين، فسيتوقف إلى حد بعيد على قدرتهما على الخروج منه. The post ثقل تاريخ لم يُطوَ بعد appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

عبد اللطيف شهيدمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

five + eight =

Check Also

فعاليات ” لقاءات الاستثمار” بجهة الداخلة وادي الذهب

الإثنين 12 أكتوبر 2026 احتضنت قاعة الاجتماعات الكبرى بالولاية، اليوم، لقاءً مؤسساتياً هاما…