جماعة مراكش تصرّ على معاناة المواطنين وتتشبث بـ”بقرة المراكن الحلوب”

في وقتٍ اختارت فيه العديد من المدن المغربية المضيّ قدما في إقرار مبدأ المجانية في المراكن العمومية كخطوة إصلاحية جريئة لتنقية هذا القطاع من الفوضى والابتزاز الذي يعاني منه المواطنون، تأبى جماعة مراكش إلا أن تسبح عكس التيار، متجاهلة حجم التذمر الشعبي والغضب المتصاعد من ممارسات حراس السيارات الذين حولوا شوارع المدينة إلى إقطاعيات خاصة.
فعوض أن تستغل الجماعة فرصة إصلاح قطاع المراكن الذي أصبح عنوانا للفوضى والعشوائية وفضاءات يحتلها من “هبّ ودبّ”، رفضت مقترح يتعلق بإقرار مجانية المراكن الخاصة بالسيارات والدراجات بالمدينة، مفضّلة الإبقاء على الوضع الكارثي القائم، في مشهدٍ يعكس انعدام الجرأة في اتخاذ القرار.
فخلال اجتماع للجنة المكلفة بالميزانية والشؤون المالية والبرمجة بمجلس جماعة مراكش بهذا الخصوص، قررت هذه الأخيرة عدم الموافقة في الوقت الراهن على إقرار مبدأ المجانية في استغلال مجموعة من الشوارع والأزقة الواقعة بتراب جماعة مراكش، وذلك على أساس أن تُنجز صفقة للكراء في موعدها القانوني لمدة سنة واحدة مع استثناء المراكن المتواجدة أمام المساجد والمستشفيات العمومية من هذه الصفقة، احتراما لطابعها الاجتماعي والديني والتي ستكون موضوع مبدأ المجانية، ليتم بعد ذلك تفويض وتدبير هذا القطاع من خلال آليات جديدة للتدبير، سواء عبر شركة التنمية المحلية أو آلية التدبير المفوض خلال السنة المقبلة.
ورغم تحوّل شوارع مراكش إلى مراكن محتلة دون وجه حق من طرف بعض الحراس، خصوصاً الممارسين خارج الإطار القانوني، يُفرض فيها على المواطنين أداء مبالغ عشوائية وغير قانونية، في غياب تام للرقابة، تصر الجماعة على الاستمرار في هذا العبث، متمسكةً بـ”البقرة الحلوب” التي تدرّ على خزينتها مداخيل على حساب راحة المواطنين وكرامتهم.
وإذا كانت مجموعة من المدن قد بادرت إلى تطبيق المجانية أو تجريبها بنجاح في عدد من المناطق، فإن مراكش — المدينة السياحية العالمية — تبدو مترددة وخائفة من فقدان مورد مالي لا يتناسب إطلاقا مع حجم الضرر الذي يلحق بالمواطنين.
إن قرار اللجنة المكلفة بالميزانية والشؤون المالية والبرمجة بتأجيل الحسم في موضوع المجانية لا يمكن قراءته إلا كرسالة سلبية تؤكد أن الإرادة السياسية لإصلاح هذا القطاع غائبة تماما، وأن منطق “الترقيع” و”التأجيل” ما زال سيد الموقف.
فبدل التفكير في حلول جذرية تُعيد النظام والشفافية، وتضمن للمواطن حقه في استعمال الفضاء العام دون ابتزاز، تواصل الجماعة نهج المقاربة الضيقة التي ترى في المراكن مجرد مورد مالي لا أكثر، بينما المواطن البسيط يئنّ تحت وطأة التسعيرات العشوائية التي يفرضها “كارديانات” دون سند قانوني، وما يترتب عن ذلك من احتكاكات يومية مع المواطنين، وصلت في كثير من الأحيان إلى الإهانة والعنف اللفظي والجسدي، وهو ما يسيء لصورة المدينة أمام الزوار الأجانب والسياح الداخليين على حد سواء.
فإلى متى ستظل مراكش المدينة الحمراء رهينة فوضى المراكن ومزاجية حراس السيارات؟ وإلى متى سيبقى القرار “الشجاع” رهين الحسابات؟








