جهود الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة
جهود الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة (الجزء الثاني)
تشخيص العلاقة مع مغاربة العالم وتحديات تنزيل السياسات في الواقع الأوروبي
هوية بريس – شريف السليماني
انتهينا في الجزء الأول إلى خلاصة مفادها أن النتائج المحققة على أرض الواقع لا تعكس حجم الجهود المبذولة، ولا توازي الإمكانيات التي رُصدت لهذا المشروع. ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة أعمق من التحليل، تقوم على البحث في الأسباب والمعيقات، ومحاولة فهم هذا الواقع بشكل أدق، تمهيداً للتفكير في سبل الإصلاح والتطوير.
ومن أبرز المداخل التي أراها ضرورية في هذا السياق، الوقوف عند طبيعة العلاقة التي تربط مغاربة العالم بالدولة المغربية، لأن أي مشروع تأطير – ديني أو غيره – لا يمكن أن ينجح دون فهم دقيق للفئة التي يُراد الاشتغال معها.
والحقيقة أن مغاربة العالم ليسوا كتلة واحدة متجانسة، بل هم فئات متعددة تختلف في مستوى ارتباطها بالمغرب، وفي طبيعة نظرتها إلى الدولة، وفي مدى استعدادها للتجاوب مع أي مبادرة قادمة منها.
فإذا نظرنا إلى الجيل الأول من المهاجرين، ومن لحق بهم من فئات واسعة من الجيل الثاني، نجد أنهم يرتبطون بالمغرب ارتباطاً عاطفياً وتاريخياً عميقاً، تشكّل عبر النشأة والذكريات والتجربة المباشرة. وهذا الارتباط ينعكس في مستوى عالٍ من الولاء، قد يستمر حتى في حالات التقصير أو الشعور بعدم الإنصاف. وهي فئة يسهل التعامل معها، لأنها في الغالب منفتحة ومتجاوبة، بل قد تبادر هي نفسها إلى الحفاظ على هذا الارتباط حتى في غياب مبادرات رسمية قوية.
غير أن الصورة تختلف عند الأجيال اللاحقة، كالثالث والرابع، الذين وُلدوا ونشؤوا في بلدان المهجر، وربما حتى آباؤهم لم يعيشوا تجربة مباشرة مع المغرب. فهؤلاء غالباً ما يكون ارتباطهم أضعف، وعلاقتهم أقل عاطفية وأكثر براغماتية، بحيث لا تبنى على مجرد الانتماء، بل على الإحساس بالمعنى والمصلحة والتواصل الحقيقي. وبالتالي، فإن التعامل مع هذه الفئة لا يمكن أن يكون بنفس المقاربة التي كانت صالحة مع الأجيال السابقة، لأن من لا يُبادر إليه قد لا يُبادر من تلقاء نفسه.
ومن جهة أخرى، توجد فئة لا تعاني من إشكال مع الوطن أو مع الانتماء إليه، لكنها تحمل تحفظات أو مواقف نقدية تجاه الدولة أو النظام، لأسباب قد تكون سياسية أو إيديولوجية أو مرتبطة بتجارب معينة.
وعلى سبيل المثال، أذكر قصة شخص -من رواد مسجد كنت إمامه- اتخذ مني موقفا وصنفني وكاد ان لا يصلي خلفي لأنني ارتدي أخيانا الطربوش المغربي الأحمر الذي هو رمز النظام المغربي في نظره!
وهذه الفئة – رغم اختلاف توجهاتها – تشترك في وجود مسافة بينها وبين الدولة، وهو ما يفرض التفكير في كيفية تقليص هذه الفجوة وبناء جسور من الثقة والتواصل.
كما نجد فئة أخرى لا تعارض الدولة ولا تنكر الانتماء، لكنها تختلف مع مضمون التوجه الديني نفسه، حيث تعترض على بعض مكوناته العقدية أو الروحية، وتعتبرها غير مقبولة من منظورها. وهذه الفئة لا تكتفي بالتحفظ، بل تعمل بشكل نشط على نشر رؤيتها، وتقديم مضامين بديلة، والدعوة إليها، في إطار تنافسي واضح مع النموذج المغربي، بل وقد تنجح أحياناً في التأثير داخل بعض المساجد والمؤسسات.
ولعل من الأمثلة الدالة على طبيعة هذا التحدي، ما عايشته شخصياً خلال فترة عملي إماماً في هولندا، حيث نظمنا نشاطاً دينياً بمناسبة ذكرى المولد النبوي، في إطار تعاون مع إحدى الجهات العلمية. غير أن هذا النشاط لم يمر دون ردود فعل، إذ انهالت انتقادات من بعض الأطراف التي اعتبرت هذا الأمر بدعة، ووجهت اتهامات للمسجد وللقائمين عليه. ومثل هذه المواقف – بغض النظر عن تقييمها – لها أثر مباشر على واقع العمل داخل المسجد، إذ يجد الإمام نفسه تحت ضغط، كما قد تتخوف لجنة المسجد من تكرار التجربة، حرصاً على تجنب التوتر أو الانقسام داخل الجماعة. وهو ما يعكس خصوصية السياق في بلدان المهجر، حيث لا يمكن دائماً نقل بعض الممارسات كما هي من المغرب، دون مراعاة لطبيعة البيئة المحيطة، وحساسية التوازنات داخل المساجد.
وإذا كانت هذه الفئات تختلف من حيث العدد والتأثير، فإنه من الصعب الجزم أيها أكثر حضوراً أو انتشاراً. غير أن ما يميز السياق الأوروبي هو أن الفاعلية لا تُقاس دائماً بالعدد، إذ قد تتمكن أقلية محدودة من التأثير في توجه مؤسسة أو عرقلة مشروع، خاصة في ظل طبيعة العمل داخل المساجد، حيث لا تتوفر هياكل القرار دائماً على سلطة حاسمة، ويظل هامش التأثير مفتوحاً أمام مختلف الأطراف.
وفي ضوء هذا التنوع، يبرز تحدٍ مهم يتمثل في أن جزءاً من المقاربات المعتمدة لا يزال يركّز على الفئة الأكثر ارتباطاً واستعداداً، أي الجيل الأول وبعض الجيل الثاني، وكأنها تمثل عموم مغاربة العالم، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتنوعاً. وهو ما يجعل بعض السياسات لا تأخذ بعين الاعتبار اختلاف الخلفيات والتصورات، وبالتالي تفقد جزءاً من فعاليتها.
ومن جهة أخرى، يُلاحظ في بعض الأحيان تغليب البعد الأمني في تدبير هذا الملف، بشكل قد يتجاوز حدوده الطبيعية. ولا خلاف في أهمية هذا الجانب، غير أن المبالغة فيه قد تؤدي إلى تقديم اعتبارات السلامة والضبط على حساب الجودة والكفاءة، مما ينعكس على اختيار الأشخاص وعلى طبيعة القرارات، وقد يفضي إلى عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
ويرتبط بذلك أيضاً ميلٌ إلى التعامل مع الأشخاص أكثر من التعامل مع المؤسسات، بدافع الرغبة في ضمان الاستقرار والتحكم، على اعتبار أن الشخص يمكن معرفة توجهه وضبطه، بينما المؤسسة قد تتغير إدارتها أو توجهاتها. غير أن هذا الاختيار – وإن كان مفهوماً من زاوية معينة – لا ينسجم مع طبيعة السياق الأوروبي القائم على العمل المؤسساتي، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى ربط العلاقة بأشخاص محددين لسنوات طويلة، مما يحدّ من التجديد ويضعف الحضور المؤسسي.
ومن الملاحظات كذلك ما يتعلق بطبيعة الأنشطة واللقاءات، حيث يغلب عليها في بعض الأحيان الطابع الاستعراضي على حساب البعد الاحترافي. ففي حين تقوم المؤسسات المهنية على التخطيط المسبق، وتحديد الأهداف، وتقييم المردودية، واستثمار النتائج في تطوير العمل، نجد أن كثيراً من هذه اللقاءات تُنظم دون آليات واضحة للتقييم، ودون قياس حقيقي للأثر، ويقتصر الاهتمام أحياناً على الجوانب الشكلية أو الإعلامية، دون الوقوف الجاد عند سؤال: ماذا تغير فعلاً؟ وما الذي استفادت منه الجالية؟
ومن الجوانب التي تبدو في نظري ذات أثر كبير على فعالية هذه الجهود، مسألة الدراسات والأبحاث التي تُبنى عليها الاستراتيجيات. إذ من الصعب الحديث عن تخطيط ناجح في غياب معرفة دقيقة بالواقع واحتياجاته.
وأذكر في هذا السياق تجربة عايشتها خلال فترة عملي في هولندا، حيث تواصل معي أحد الباحثين من مكتب دراسات، وأجرى معي حواراً في إطار بحث كلّفته به جهة رسمية هولندية، بهدف فهم تحوّل مهم بدأ يطرأ على المساجد، وهو انخراط جيل جديد من الشباب في تسييرها بعد أن كانت حكراً على الجيل الأول. وكانت الجهة المعنية تسعى إلى معرفة أثر هذا التحول على عمل المساجد، وعلى الجالية، وعلى المجتمع بشكل عام.
هذا النوع من المقاربات يعكس وعياً بأهمية فهم الواقع قبل التدخل فيه، وهو ما نفتقده – في تقديري – في كثير من المبادرات المرتبطة بتأطير الشأن الديني لمغاربة العالم. إذ يطرح السؤال نفسه: على أي أساس تُبنى هذه الاستراتيجيات؟ وهل تسبقها دراسات ميدانية تحدد الحاجيات الحقيقية للجالية؟
فهل تحتاج هذه الجاليات إلى وعاظ أكثر، أم إلى أئمة متمكنين من لغة البلد؟ هل الأولوية للتعليم، أم للإرشاد، أم للعمل مع الشباب؟ وما هي المواضيع الأكثر إلحاحاً؟
مثل هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاجتهاد أو الانطباع، بل تحتاج إلى دراسات علمية ومسوح ميدانية دقيقة، تُبنى عليها القرارات، وتُحدد من خلالها الأولويات، بدل اعتماد مقاربات قد تكون بعيدة عن الواقع أو غير مستجيبة لحاجياته.
كل هذه العناصر مجتمعة تساهم في تفسير جانب من الفجوة بين حجم الجهود المبذولة ومستوى النتائج المحققة. وهي لا تعني غياب الإرادة أو النية، بقدر ما تعكس حاجة ملحّة إلى مراجعة بعض المقاربات، وتطوير أساليب العمل، بما ينسجم مع طبيعة الواقع وتحدياته.
وفي الجزء الثالث من هذا المقال، سأحاول التوقف عند بعض المقترحات العملية والرؤى التي يمكن أن تساهم – في نظري – في تجاوز هذه الإشكالات، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة البناء والإصلاح.
The post جهود الدولة المغربية في تأطير الشأن الديني لمغاربة العالم: قراءة تقييمية هادئة appeared first on هوية بريس.
نظريات المؤامرة تتجدد .. هل محاولة اغتيال ترامب الثالثة “مُدبّرة”؟
منذ وقوع إطلاق النار في حفل عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض السبت، تجتاح موجة من المعلومات …










