سبتة ومليلية المحتلتين تختبران تماسك “الناتو” وسط تقارب مغربي أمريكي متسارع
تشهد العلاقات بين المملكة المغربية والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة الراهنة دينامية متقدمة تعكس انتقال الشراكة بين البلدين إلى مستوى أكثر رسوخا على الصعيدين السياسي والاستراتيجي، في سياق إقليمي ودولي يتسم بإعادة تشكيل موازين التحالفات وتزايد التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى. ويبرز هذا التقارب في تعزيز مجالات التعاون العسكري والأمني، إلى جانب تنسيق متنامٍ في ملفات إقليمية حساسة، ما يعكس توجها واضحا نحو ترسيخ موقع المغرب كشريك محوري لواشنطن في شمال إفريقيا والفضاء الأطلسي. في المقابل، يشهد الفضاء الأطلسي المتوسطي توترا متزايدا في العلاقات بين الإدارة الأمريكية وإسبانيا، على خلفية تباين المواقف بشأن عدد من القضايا الدولية، الأمر الذي أعاد طرح أسئلة حول طبيعة التوازنات داخل المنظومة الغربية، وحدود الانسجام بين الحلفاء التقليديين في ظل التحولات الجارية. هذا التباين السياسي أفرز قراءات متعددة داخل الأوساط الدبلوماسية والإعلامية، تربط بين إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية لواشنطن وبين إعادة تموقع بعض الملفات الإقليمية الحساسة. وفي هذا السياق، أعادت وثيقة صادرة عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي تسليط الضوء على ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، بعدما تضمن تقريرها إشارات وُصفت باللافتة إلى وضعهما الجغرافي، معتبرة أنهما، رغم خضوعهما للإدارة الإسبانية، تقعان ضمن المجال الترابي المغربي. وقد أثارت هذه الصياغة جدلا واسعا في إسبانيا، بالنظر إلى حساسيتها السياسية والتاريخية، وما تحمله من دلالات تتجاوز الطابع الإجرائي للنص البرلماني الأمريكي. وتشير تقارير إعلامية إسبانية، من بينها ما أوردته صحيفة “لاراثون”، إلى أن هذه الإشارة وردت في مذكرة تفسيرية مرفقة بالتقرير وليست جزءا من النص التشريعي النهائي، كما أنها لم تخضع بعد للتصويت داخل الكونغرس الأمريكي. غير أن مجرد إدراج هذا التوصيف اعتُبر سابقة غير مألوفة في وثائق رسمية أمريكية، خاصة وأنه يقترب من الطرح المغربي الذي يعتبر المدينتين جزءا من وحدته الترابية، كما تضمن التقرير ذاته دعوة إلى تعزيز الانخراط الدبلوماسي لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في هذا الملف بين الرباط ومدريد. وترى الصحيفة الإسبانية أن هذا التطور يأتي في سياق دولي متقلب، يتسم بإعادة تموضع العديد من القوى الكبرى تجاه ملفات إقليمية دقيقة، ما يدفع مدريد إلى التعامل بحذر مع أي مؤشرات قد تُفهم على أنها تحول في الموقف الأمريكي التقليدي من قضية سبتة ومليلية. كما ربطت الصحيفة هذه المعطيات بسجال سابق أثاره مقال رأي للمستشار الأمريكي السابق في وزارة الدفاع مايكل روبين، دعا فيه إلى ما وصفه بـ”استعادة روح الحسن الثاني” عبر إطلاق مسيرة رمزية نحو المدينتين، وهو الطرح الذي أثار حينها نقاشا واسعا في الأوساط الإعلامية. وفي سياق تحليلها لهذه التطورات، تشير “لاراثون” إلى أن التوترات الأخيرة بين مدريد وواشنطن، خصوصا في ما يتعلق ببعض الملفات الدولية، قد تكون ساهمت في جعل قضايا مثل سبتة ومليلية أكثر قابلية للتوظيف ضمن سياقات سياسية أوسع، الأمر الذي يثير قلقا متزايدا داخل الأوساط الإسبانية بشأن مستقبل المقاربة الأمريكية تجاه هذا الملف. وفي هذا الإطار، نقلت الصحيفة عن السفير الإسباني السابق في واشنطن خافيير روبيريز، الذي كان فاعلا في تدبير أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، قوله إن التطورات الحالية تعكس تحركا دبلوماسيا مغربيا نشطا داخل دوائر القرار الأمريكية، مستفيدا من متانة العلاقات الثنائية بين الرباط وواشنطن. وأضاف أن المغرب يحرص على إبقاء ملف سبتة ومليلية المحتلتين حاضرا في النقاش الدولي، باعتبارهما جزءا من رؤيته لوحدته الترابية، مستغلا كل الفرص المتاحة لتأطير هذا النقاش ضمن الفضاءات الدبلوماسية المؤثرة. ودعا الدبلوماسي الإسباني السابق الحكومة في مدريد إلى التحرك بشكل أكثر حزما تجاه هذه التطورات، من خلال توضيح موقفها الرسمي للإدارة الأمريكية، والتأكيد على أن المدينتين جزء لا يتجزأ من السيادة الإسبانية، محذرا من تداعيات أي غموض دبلوماسي في هذا الملف. كما استحضر تجربة أزمة جزيرة ليلى، التي عرفت تدخلا أمريكيا مباشرا لاحتواء التصعيد بين الرباط ومدريد، مبرزا في الوقت نفسه أن السياق الحالي يختلف جذريا من حيث طبيعة العلاقات الدولية القائمة. وتؤكد الصحيفة أن العلاقات المغربية الأمريكية تعرف اليوم مستوى متقدما من التنسيق الاستراتيجي، في مقابل تباين نسبي في بعض جوانب العلاقات الأمريكية الإسبانية، ما يفرض على مدريد إعادة تقييم أدواتها الدبلوماسية في التعاطي مع هذا الملف الحساس. كما يشير التحليل إلى أن التحولات الجيوسياسية الراهنة قد تمنح المغرب هامشا أوسع لتثبيت حضوره في النقاش الدولي حول القضايا المرتبطة بمحيطه الإقليمي. وفي سياق متصل، تثير صحيفة “لاراثون” سيناريوهات افتراضية تتعلق بإمكانية اندلاع توتر عسكري بين المغرب وإسبانيا، وانعكاساته المحتملة على التزامات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، رغم التأكيد على أن هذا الاحتمال يظل ضعيفا. غير أن النقاش يتركز، وفق التحليل، على طبيعة الدعم الذي يمكن أن تتلقاه مدريد في حال وقوع أزمة، وعلى حدود تطبيق المادة الخامسة من معاهدة الحلف، في ظل الغموض الذي يحيط بالوضع القانوني لسبتة ومليلية داخل المنظومة الدفاعية الأطلسية. وتشير الصحيفة إلى أن أي تدخل محتمل في مثل هذا السيناريو سيبقى رهينا بقرارات سياسية معقدة داخل الحلف، تقوم على التوازن بين الالتزامات الجماعية والمصالح الوطنية للدول الأعضاء، وهو ما يجعل الردود غير تلقائية ولا محسومة مسبقا. كما تؤكد أن الدعم المحتمل لإسبانيا قد يتخذ أشكالا مختلفة، تتراوح بين الدعم الدبلوماسي والاستخباراتي، دون أن يصل بالضرورة إلى تدخل عسكري مباشر. وفي المقابل، يظل موقع المغرب في هذه المعادلة الإقليمية والدولية مدعوما بشبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية، خاصة مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، ما يعزز حضوره كفاعل محوري في معادلات الأمن والاستقرار في المنطقة. كما أن التحولات الجارية داخل الفضاء الأطلسي والمتوسطي تعكس بشكل متزايد انتقال النقاش حول بعض الملفات التقليدية من الطابع الثنائي إلى أبعاد دولية أوسع. وتخلص قراءات متعددة إلى أن استمرار التفاعل الدبلوماسي بين الرباط وواشنطن، في مقابل التوتر القائم بين بعض العواصم الغربية، قد يساهم في إعادة صياغة مقاربات التعامل مع عدد من القضايا الإقليمية العالقة، وفي مقدمتها ملف سبتة ومليلية، الذي يظل من أكثر الملفات حساسية داخل العلاقات المغربية الإسبانية، في ظل تحولات دولية لا تزال في طور التشكل.
الدافري يكتب: من تجربة سيدة من قريباتي..الوجه الآخر ل “نظام الطيبات”
الحقيقة أنني صبّنت تصبينة جيدة السيدة التي سألتني عما يسمى باسم “نظام الطيبات” الذي روج له…







