Home الصحافة المغربية صعود الرؤساء الأمريكيين من بوش إلى ترمب

صعود الرؤساء الأمريكيين من بوش إلى ترمب

صعود الرؤساء الأمريكيين من بوش إلى ترمب

صعود الرؤساء الأمريكيين من بوش إلى ترمب

هوية بريس – فرج كُندي – رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث

تمهيد: الرئاسة الأمريكية بوصفها لحظة كاشفة في التاريخ

لا يمكن فهم صعود الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة باعتباره مجرد نتيجة لصندوق الاقتراع أو مهارة الحملات الانتخابية، بل يجب النظر إليه بوصفه نتيجة تفاعل معقد بين تحولات عميقة في المجتمع الأمريكي وبنية الدولة ومراكز القوة الخفية؛ فكل رئيس يصل إلى البيت الأبيض هو في الحقيقة تعبير عن لحظة تاريخية مركبة، تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات الخارج، ويتداخل فيها الاقتصادي مع الديني، والاجتماعي مع الجيوسياسي.

منذ وصول جورج دبليو بوش وصولا وبصعود باراك أوباما  وصولا إلى انتخاب دونالد ترامب تتكشف مسارات متشابكة تكشف تآكل الإجماع الأمريكي التقليدي، وصعود صراعات هوية، وتبدّل في أدوات الهيمنة

 

أولًا: مرحلة بوش الابن 2001–2009

تحالف المحافظين الجدد واليمين المسيحي

مثّل عهد بوش لحظة فارقة في إعادة تعريف السياسة الأمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر الذي لكم يكن صعوده مجرد فوز انتخابي بل كان تتويجاً لتحالف فكري – سياسي عميق بين تيارين رئيسيين.

المحافظون الجدد الذين تبنوا فكرة أن الولايات المتحدة يجب أن تعيد تشكيل العالم عبر القوة العسكرية المباشرة.

اليمين الإنجيلي الذي أعطى السياسة بعدًا أخلاقيًا ودينيًا، مؤطرًا الصراع العالمي في ثنائية الخير والشر.

في هذا السياق، تحولت الحرب إلى أداة أيديولوجية، لا مجرد وسيلة أمنية وبرز دور “المجمع الصناعي العسكري” كمحرك مركزي في قرارات الحرب، مدعومًا بتأثير منظمات ضغط مؤثرة التي رأت في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية فرصة لتعزيز الأمن.

 

ثانيًا: مرحلة أوباما 2009–2017)

تحول ديموغرافي ووعد بالتغيير

جاء صعود أوباما بوصفه رد فعل اجتماعيًا ونفسيًا على مرحلة بوش، لا مجرد تحول حزبي؛ فقد مثّل تحالفًا جديدًا ضم العرقية والشباب والطبقة المتعلمة في المدن الرئيسية الكبرى.

كان انتخابه رمزًا لتحول ديموغرافي عميق في المجتمع الأمريكي، حيث بدأ تراجع الأغلبية البيضاء ككتلة انتخابية مهيمنة.

لكن المفارقة أن خطابه التغييري اصطدم بصلابة بنية الدولة العميقة. فبينما رفع شعار التغيير، استمرت السياسات الخارجية الكبرى في جوهرها، وإن بأسلوب مختلف القيادة من الخلف بدل التدخل المباشر

هذا التناقض بين الخطاب والممارسة زرع بذور إحباط عميق لدى قطاعات واسعة من الناخبين، وهو ما مهّد لاحقًا لصعود موجة احتجاجية غير مسبوقة

 

مرحلة ترمب 2017–2021

تمرد الأطراف وعودة القومية

جاء ترمب من خارج المنظومة السياسية التقليدية، مستثمرًا شعورًا متراكمًا بالغضب لدى قطاعات واسعة من الطبقة العاملة، خاصة في ما يُعرف بـ Rust Belt

لم يكن ترمب نتاج النخب؛ بل تعبيرًا عن رفضها وقد اعتمد على سردية قوية تقوم على استعادة الهوية الوطنية ورفض العولمة ومعاداة النخب السياسية والإعلامية.

لقد حوّل الانقسام الاجتماعي إلى وقود سياسي، مستخدمًا خطابًا مباشرًا يتحدى المؤسسات، ومعتمدًا على تحالفات مع قوى اقتصادية متضررة من العولمة، إضافة إلى استثمار فعال في الإعلام الرقمي والتواصل المباشر مع الجمهور.

اللوبيات وصناعة القرار

لا يمكن فهم صعود أي رئيس أمريكي دون تفكيك منظومة القوى غير المرئية التي تصنع القرار فالانتخابات ليست سوى الواجهة، أما العمق فيتمثل في اللوبيات المالية والصناعية، ومراكز التفكير وصناعة السياسات، وشبكات التمويل السياسي.

تلعب شركات السلاح والطاقة والتكنولوجيا أدوارًا محورية في توجيه السياسات، عبر أدوات مثل التمويل الانتخابي، والتأثير الإعلامي، وتوجيه النقاش العام

التحولات البنيوية

وفق منهج تحليلي يربط بين التاريخ والبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية، يمكن تحديد ثلاثة مسارات كبرى.

١- تراجع منظومة القيم الليبرالية التقليدية لصالح الشعبوية وصراعات الهوية

٢- انتقال مركز التأثير من النخب التقليدية إلى الشارع والمنصات الرقمية

٣- اختلاف الأدوات مع بقاء الهدف ثابتًا، وهو الحفاظ على التفوق الأمريكي، سواء عبر التدخل العسكري، أو القوة الناعمة، أو الحمائية الاقتصادية.

الرئاسة بوصفها انعكاسًا لبنية القوة

تكشف تجربة الرؤساء الأمريكيين في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين أن الرئاسة ليست مركز القرار المطلق، بل موقع تقاطع لقوى متعددة؛ فالرئيس، أيًا كان اسمه يعمل ضمن بنية معقدة من القيود والضغوط، حيث تتفاعل المصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية، والتحولات الاجتماعية.

وهكذا، فإن فهم السياسة الأمريكية لا يمر فقط عبر تتبع الرؤساء، بل عبر قراءة القوى التي تصنعهم، والظروف التي تفرضهم، واللحظات التاريخية التي تجعل منهم تعبيرًا عن مرحلة كاملة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.

The post صعود الرؤساء الأمريكيين من بوش إلى ترمب appeared first on هوية بريس.

(هوية بريس)مصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

nineteen − 10 =

Check Also

من الجرس إلى الشعار.. أسرار التأثير في الجماهير

يستدعي الحديث عن توظيف السياسة لآليات التأثير النفسي استحضار تجربة إيفان بافلوف* التي كشفت…