على طريق القافية.. الرحلة الثانية: مكتوب قارئة الفنجان2/2

ثالثاً؛ الحبّ معاناة: بين العذاب واللذة
تتحدث قارئة الفنجان عن الحب بوصفه طريقًا شاقًا:
” مقدورك أن تمضي أبداً في بحر الحب بغير قلوع
وتكون حياتك طول العمر كتاب دموع
مقدورك أن تبقى مسجوناً بين الماء وبين النار
………..
وتجوب بحاراً وبحاراً، وتفيض دموعك أنهاراً
وسيكبر حزنك حتى يصبح أشجاراً أشجارا
وسترجع يوماً يا ولدي مهزوماً مكسور الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر بأنك كنت تطارد خيط دخان”.
هذا التلازم بين الحب والعذاب حاضر بقوة في التصوف أيضا، حيث تقول رابعة العدوية: “أحبك حبين: حب الهوى… وحبًا لأنك أهل لذاكا”.
فالحب عندها ليس مجرد رغبة، بل فناء في المحبوب، وفي قافيتها هذه، يتجلى عذاب الحب من خلال مستويين:
حب الهوى أو حب العاطفة: هذا الحب يحمل معاني العشق والانجذاب الروحي، وهو ما يعكس حالة الفناء في المحبوب، حيث يصبح المحب مأخوذًا به إلى درجة الوجد والشوق الدائم، وهذا هو العذاب الذي يشعر به العاشق عندما يدرك المسافة بينه وبين معشوقه.
حبًا لأنك أهل لذاكا أو حب العقل: هنا يظهر العذاب في صورة أخرى، وهو إدراك عظمة المحبوب واستحقاقه للحب المطلق، ما يجعل المحب يشعر بعدم كفايته، وأن حبه مهما بلغ لن يكون وافياً بحق المحبوب، هذا يدل على أن الحب الإلهي يحمل في داخله معاناة الانفصال والاشتياق، حبا ممتزجًا بين اللذة والمعاناة، بين التلذذ بالقرب والعذاب من الفراق. لكنه في الوقت نفسه يمنح المحب نوعًا من السعادة الروحية وسط الألم.
وفي هذا المعنى، يفتل قول جلال الدين الرومي: “العشق نهر، اغتسل فيه، وستخرج من النار نقيًا”، أي أن العشق الإلهي رغم ألمه هو طريق التطهير الروحي، تمامًا كما كان يرى الحلاج بأن الحب هو احتراق الروح بنار العشق الإلهي:
“أنا من أهوى ومن أهوى أنا… نحن روحان حللنا بدنا”
وهكذا، يصبح الحب معاناة، لا لأنه عذاب في ذاته، بل لأنه تجربة تتجاوز الفرد، فتسحقه لتعيد تشكيله من جديد.
وهذا البيان الصوفي الأخير، أي أن تجربة الحب وإن كانت تسحق الفرد ثم تعيد تشكيله، أي تميته ثم تحييه مرة أخرى، يبقى حاضر في المعنى الفلسفي أيضا، ففي المأدبة يرى أفلاطون أن الحبّ هو “الشوق إلى الكمال”، حيث إن العاشق يعاني
لأنه يشعر بالنقص، مما يدفعه للسعي نحو الجمال المطلق. الحبّ هنا نوع من العذاب لأنّه ينبع من الحرمان، لكنه أيضاً محفّز للارتقاء الروحي. إذ قال في ذات محاورة:” إن الحبّ الحقيقي هو رغبة في إنجاب الجمال، ليس فقط جسدياً بل روحياً أيضاً ”. وعلى هذا الأساس، فالمعاناة في الحبّ ليست سلبية تمامًا، بل ضرورية لتحقيق الكمال.
وإذا ما نزلنا من علياء المُثُل إلى أديم الوجود الأرضي، حيث الحبّ خداع بيولوجي ومعاناة حتمية عند مؤلف ” العالم إرادة وتمثلاً”، حيث كان يرى شوبنهاور في مؤلفه هذا، أن الحب مجرد حيلة من الطبيعة لضمان استمرار النوع البشري، لكنه يترك الأفراد في حالة من الألم وعدم الرضا. فالحبّ، وفقًا له، هو معاناة لأن العاشق يُخدع بوهم السعادة بينما هو في الحقيقة أداة للإرادة العمياء للحياة يقول:”كل حبّ هو في جوهره معاناة، لأنه ينبثق من نقص، ومن الحرمان، ومن رغبة غير مشبعة”.
ولأن الحب مرتبط بالرغبة، والتي قد تظل غير مشبعة أو تواجه العوائق الاجتماعية والنفسية، يحمل الحبّ في داخله المعاناة وإنه لا يأتي منه غير الألم وإن كان لابد منه، يقول سيجموند فرويد:”إننا لا نستطيع العيش بلا حبّ، لكن الحبّ هو أيضاً مصدر أعظم آلامنا”.
فالحبّ في التحليل النفسي- بحسب فرويد- هو توتر دائم بين الإشباع والحرمان، بين اللذة والعذاب.
وفي سياقنا هذا، يمكن قراءة “قارئة الفنجان” بوصفها ترنيمة عن الحب الذي يتأرجح بين اللذة والمعاناة، بين الأمل واليأس، بين الارتباط والانفصال، في علاقة معقدة تشبه الوجود ذاته.
رابعا: الحب بين الإلهي والإنساني
ثم إنه، إذا كان الحب خداع أو معاناة أو سحق أو شوق بحسب ما مر في السطور أعلاه، فماذا عساها تكون نظرة القرآن إلى هذا المخلوق العجب: الحب، الذي اعتبر أحيانا أنه صنو الحق والخير والجمال؟
حين يتحدث النص القرآني عن الحب فهو ينظر إليه من خلال مستويين إثنين: مستوى الروح و مستوى الجسد.
المستوى الأول: الحبّ الإلهي أو علاقة الإنسان بربه، وهي علاقة قائمة على المحبة المتبادلة بين الله وعباده. يؤكد القرآن أن الحبّ ليس مجرد مشاعر، بل هو التزام وسلوك. ويصف الله بعض العباد بأنهم محبوبون عنده، كما في قوله:
“إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (البقرة: 195 )
”إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ” (البقرة: 222 )
تبين هذه الآيات أن محبة الله ترتبط بصفات أخلاقية وسلوكية معينة، مثل الإحسان والتوبة والطهارة، أما عن محبة العبد لله، فيشير القرآن إلى أن المؤمن يحب الله أكثر من أي شيء آخر: “وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ” (البقرة: 165).
فالحبّ الإلهي ليس مجرد شعور، بل يتجلى في الطاعة والاتباع، كما جاء في:
” قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ” (آل عمران: 31 ).
المستوى الثاني: الحبّ الإنساني أو الحبّ بين الجنسين، والذي ينظمه القرآن وفق مبادئ تحقق المبتغى الصالح منه.
ويصف القرآن العلاقة بين الرجل والمرأة بأنها قائمة على الحبّ والرحمة، ويجعلها من دلائل وجود الله:
”وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً” (الروم: 21 ).
هنا، يوضح القرآن أن الحبّ الزوجي ليس مجرد انجذاب جسد إلى جسد، بل هو سكن وطمأنينة، أساسه المودة والرحمة، وليس مجرد الشهوة العاطفية العابرة.
والحبّ ليس منفصلًا عن المسؤولية والالتزام. فالعلاقة بين الرجل والمرأة يجب أن تكون ضمن إطار الزواج، لضمان الاحترام المتبادل.
” هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ” (البقرة: 18)
يعكس هذا التشبيه باللباس معنى الحماية، القرب، والارتباط العميق بين الزوجين.
وإذا كان القرآن يقر الحب الذي قوامه الاحترام والحماية والنمو في ظل الرحمة والمودة فإنه يرفض ذلك الحبّ الذي يؤدي إلى التهلكة، أو يجعل الإنسان عبدًا لشهواته. على سبيل المثال، حين تحدث عن امرأة العزيز التي عشقت النبي يوسف عشقًا غير متزنًا: ”قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا” (يوسف:30).
هذا النوع من الحبّ غير المتزن قد يؤدي إلى الظلم والخطيئة، كما يظهر من خلال سياق القصة التي هي أحسن القصص.
ومنه، الحبّ في القرآن ليس فقط مشاعر، فالإلهي منه أساسه الطاعة والاتباع.
والحب الإنساني في النص القرآني إما آية من آيات الله أو توازن بين العاطفة والمسؤولية وأساسه المودة والرحمة.
وتأسيسا على ما سبق، “الحب عليك هو المكتوب يا ولدي”، ليست مجرد نبوءة، بل حقيقة فلسفية، حيث الحب يشبه الريح التي لا تُرى، لكنه يحرك كل شيء. إنه قدَر، لكنه في الوقت ذاته مساحة للاختيار. إنه العذاب، لكنه في جوهره اللذة المطلقة. وبين القدر والاختيار، يبقى الإنسان في الاختيار عاشقًا، يسافر وحيدًا في بحر الحب، باحثًا عن ميناء قد لا يجده أبدًا.
وفي القدر يبقى أحلى الأقدار، كما أعلن نزار قباني في خاتمة رائعته :”الحب سيبقى يا ولدي أحلى الأقدار”.
ويبقى الحب هو الخير والسكون والسعادة يا ولدي، بحسب ما كتب أفلاطون، وتركها كلمة أنشودة باقية في عقبه:” هنا الخير الذي ترغب فيه كل روح.. هنا السكون الذي يتطلع إليه كل شخص.. هنا الحب، والسعادة ها هنا.. وهنا يا روحا في أعالي السماء! تتطلعين إلى صورة البهاء، الذي أعشق في هذا العالم”.
أو يبقى كما عرفه عباس محمود العقاد ذات تعريف: “يسألونك عن الحب، قل انجذاب جسد إلى جسد وروح إلى روح، و” يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” (الإسراء 85)..
الرئيس ترامب يحث إيران على الإسراع في التوصل إلى اتفاق
واشنطن 29 أبريل 2026 حث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، السلطات الإيرانية ع…





