غضبة الطوفي

غضبة الطوفي هوية بريس – حميد بن خيبش قبل وفاته بأشهر قليلة، ألف الإمام نجم الدين الطوفي كتابه (الصعقة الغضبية)* للدفاع عن اللغة العربية، والرد على المنكرين لفضلها وصلتها بالعلوم الشرعية. ويظهر من مقدمة الكتاب أن سبب التأليف يرجع بالتحديد إلى ما سماه المؤلف عصبية شعوبية، في إشارة إلى إحدى الحركات المضادة التي سعت إلى تشويه مبادئ الإسلام، والإساءة إلى العرب وحضارتهم، من خلال تفضيل شعوب أخرى في مقدمتهم الفرس. تمثل خطر الشعوبية في كونها تجاوزت النزعة العدائية لتتحول إلى حركة منظمة، تستهدف التأثير على التكوين الديني والفكري والخلقي لأفراد المجتمع، وتوظيف نصوص الكتاب والسنة لإثارة الشبهات، وتغذية الصراعات، وتشكيك الناس في مبادئ الدين وأصول الشريعة. ولم تسلم اللغة العربية من التطاول والمكائد التي تهز وظيفتها كمدخل لفهم معاني القرآن؛ فكان التفسير المغرض لنصوص الكتاب والسنة أحد أساليبهم التي تفطن لها علماء الأمة، ونبّهوا إلى ضرورة إصلاح اللسان، والتصدي بحزم للَّحن وتسرب العجمة إلى أشكال التخاطب اليومي. ارتكزت حجة نجم الدين الطوفي التي بنى عليها دفاعه، على كون علم العربية أصلا من أصول الدين، ومعتمدا من معتمدات الشريعة كما يُصرّح. ولبيان هذا الفضل وأهميته، قدم ما يشبه درسا تطبيقيا للمسائل الشرعية التي تدور على أسس النحو، ساعيا بذلك للتأكيد على أن علم العربية حلقة من حلقات علوم الشريعة، وأن التفاعل الحار بينهما يجعل من المساس بالعربية استهدافا للدين برمته: ” الفقيه الطاعن على علم العربية، يكون إما طاعنا في شرط علمه ومادة فقهه، وإما أن يكون غير عالم بنفسه أنه فقيه. والأول سفه، والثاني جهل. وأيا ما كان فهو غم الصديق، وفرحة للحاسد.“(1) تبدو الأبواب الثلاثة مُمهّدة للمبحث الأساسي الذي يعتزم الطوفي من خلاله تأكيد فضل اللغة العربية. حيث اكتفى بحشد عدد من القصص والمرويات والآثار التي تدور حول سبب وضع النحو، ومظاهر تغير اللسان نتيجة الاختلاط بالشعوب الأخرى، بالإضافة إلى جرد أدلة تفضيل العربية من الكتاب والسنة وصريح العقل، وعرض نُبذ من الحديث النبوي وكلام الصحابة وخطباء العرب. وانبنت خطته في تلك الأبواب على الاقتباس والنقل من كتب السابقين، مثلما جرت العادة آنذاك في الأخذ من المصادر دون نسبة، أو مع التصريح بأسمائها أحيانا؛ وهو الأمر الذي لم يكن مستهجنا. أما الباب الرابع فهو لُبّ هذا المبحث، وعليه مدار غضبة الطوفي. يدل على ذلك استئثاره بأزيد من ثلثي الكتاب، حيث أبان المؤلف عن جرأته العلمية وعلو كعبه في المناظرة، ناهيك عن فكره الموسوعي الذي ألف بين الفقه والتفسير وعلم الأصول واللغة والتاريخ. كيف يسدد إلمامُنا باللغة فهمَنا لأحكام الشريعة؟ وكيف يؤدي الجهل بقواعدها إلى التحريف والاضطراب، بل وإلى الكفر الصريح الذي يُخرج من الملة؟ يجيب الإمام الطوفي بأن يعقد فصلين من هذا الباب لبيان تأثير الإعراب في القرآن الكريم وفي السنة النبوية. ومن ذلك أن كسر الكاف من (إياك) في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} –الفاتحة: 5- يُبطل الصلاة، لأن الخطاب هاهنا لله تعالى؛ فإذا كسر الكاف يكون متكلما بغير كلام الله تعالى من جهة، ومن جهة أخرى يخالف سَنَن العربية في بناء الكلام على النظم اللفظي. وأما في السنة فإن فرقة القدرية خالفوا الأمة في أصل عظيم، بناء على لبس لغوي ترتب عليه نزاع فاسد. يتعلق الأمر بالحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احتج آدم وموسى، فقال: يا آدم أنت أبونا، خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك- يعني التوراة- بيده، تلومني على أمره قدّره علي قبل أن يخلقني بٍأربعين سنة. فحجّ آدمُ موسى). إن الصواب الذي عليه الرواة أن آدم فاعل/ حاجّ، وموسى مفعول/ محجوج. ومعنى (حج آدمُ موسى) أي غلبه بالحجة. إلا أن القدرية حرّفوا الرواية بنصب آدم على أنه مفعول، ورفع موسى على أنه فاعل. وهذا التأويل الفاسد الذي شيدوا عليه مذهبهم يُبطله الطوفي من وجهين: عقلي ولغوي. أما الدليل العقلي فبيانه أن الله تعالى تقدم في سابق علمه إخراج آدم من الجنة حيث يقول تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} -البقرة: 30-، وما علمه الله أنه سيكون فهو كائن لا محالة، وبالتال فعصيان آدم محال، والمحال لا يدخل تحت الوسع حتى يتوجه اللوم عليه، يقول الطوفي، وهذا أنصع دليل يحتج به أهل السنة على إثبات القدر. وأما الدليل اللغوي فإن أهل النحو يقررون بأن اجتماع الفاعل والمفعول ينشأ عنه أربعة أقسام: الأول: أن يكونا صحيحين فيجوز تقديم المفعول. الثاني: أن يكون الفاعل فقط صحيحا. الثالث: أن يكون المفعول فقط صحيحا. الرابع: أن يكون معتلين، فلا يجوز تقديم المفعول إلا إذا اقترن بالكلام ما يزيل اللبس؛ فإن لم يقترن به وجب تقديم الفاعل في رتبته ليكون عَلما على فاعليته. ثم إن الفعل إذا كان مشتركا بين المعتلين، وجب تقديم الفاعل رفعا للبس. ويفسد تأويل القدرية من وجه ثالث هو أن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رُوي برفع (آدم) ونصب (موسى)، والناس يتداولونه سماعا وكتابة من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا، لم يختلف فيه اثنان. ولو كان للقدرية أصل فيما تأولوه لوافقهم فيه ولو واحد من أهل الحديث، مثلما جرت عادة اختلافهم حول ألفاظ أحاديث عديدة. أصل ثان يعتبر الطوفي أن النزاع فيه من جهة العربية، إما لجهل بقواعدها أو استخفاف بها. يتعلق الأمر بنزاع الشيعة والسنة حول ما عُرف بمسألة (فدك والعوالي)، وهي الأراضي التي أفاءها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الصلح مع اليهود. فلما جاءت فاطمة رضي الله عنها تطالب بإرثها من أبيها، منعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه قائلا: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما تركنا صدقة)، ولم يعطها شيئا. فاتهم الرافضة أبا بكر بأنه منع فاطمة إرثها، وردّ أهل السنة بأنه رضي الله عنه، إنما عمل بما سمع ولم يمنعها حقا. منشأ الخلاف، يقول الطوفي هو حول موقع (ما) من الإعراب؛ فهذا الحرف يرد في اللغة العربية على وجهين: اسمي وحرفي، ولكل منهما خمسة أقسام. وبعد أن يبسط المسألة في شقها النحوي، يخلص إلى أن الرافضة حملوا (ما) على أنها نافية، بمعنى (إنا لم نترك صدقة، وإنما تركنا إرثا لغيرنا). بينما يحملها أهل السنة على أنها موصولة بمعنى (الذي) أي: (الذي تركناه صدقة) بالرفع على الخبر، وحذف الهاء من (تركناه) لأنها ضمير منصوب. وهو حذف سائغ كما في قوله تعالى: {وما عملت أيديهم} -يس: 35- قرئت بحذف الهاء وإثباتها. والوجه الثاني في المسألة متعلق بصيغة الحديث نفسه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، حيث تضمن جملتين إثباتية ونفيية. أما تأويل الرافضة فيجعل الجملتين نفييتين، وهذا يعني نفي الميراث والصدقة معا وهو على الرسول المعصوم محال. وفي الفصل الثالث يعرض الطوفي لبعض المسائل الدينية المتفرعة على قواعد العربية، وكيف أن الحكم اللغوي أوضح من الحكم الشرعي الذي يحتمل التصرف والقياس. ويخص حديثه حول الحروف والأدوات، ودورها في رفع الخلاف عند تحقيق المسألة من جانب اللغة. في آية الوضوء من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} – المائدة: 6– اعتبر بعض الشافعية أن الباء في قوله تعالى(برؤوسكم) تفيد التبعيض، مما يوجب مسح بعض الرأس، واحتجوا بأنه قول الشافعي وهو من أهل اللغة. إلا أن الطوفي يرد هذا القول من وجهين: الأول: أنه قياس في الحقيقة ولا مدخل له في اللغة. والثاني: أن القول بالتبعيض تحكُّم على اللغة، لأن الباء تفيد معان أخرى، منها: أن ترد بمعنى (على) كما في قوله تعالى: {تأمنه بقنطار} -آل عمران: 75- وبمعنى(من) كما في قوله تعالى: {عينا يشرب بها عباد الله} -الإنسان: 6- وترد زائدة كقول الشاعر: “نضرب بالسيف ونرجو بالفرج” أي نرجو الفرج. ولا يقال هنا أنها للتبعيض. وبذلك يكون قول الشافعية في هذه المسألة حصرا للفائدة في جهة معينة من غير دليل؛ أضف إلى ذلك أن التبعيض قدر مجهول، يتردد بين الأقل والنصف والأكثر. والتأكيد هو التحقيق، أما المجهول فلا يتحقق. يدافع الطوفي عن أطروحة مفادها أن الدليل اللغوي كفيل برفع الخلاف، والحسم في مسائل شرعية تبلغ برأيه مقدار ثلث الفقه. وبذلك يصبح علم العربية مرتكزا لا غنى للفقيه عنه في بحث المسائل، وإصدار الأحكام وفق منهج قويم وشامل. من الثابت تاريخيا بروز محاولات عديدة لاعتماد علوم العربية مدخلا لبحث مسائل الفقه. منها على سبيل المثال ما عرضه محمد بن الحسن الشيباني في كتابه (الجامع الكبير)، والإمام الغزالي في (الوجيز)، والكسائي في مناظرته الشهيرة مع القاضي أبي يوسف، وغيرهم. إلا أن مزية كتاب الطوفي أنه من جهة جمع المسائل المتناثرة في مصنف واحد، ومن جهة أخرى قدم ما يمكن اعتباره مرافعة تاريخية للإمكانات التي تزخر بها اللغة العربية في تسديد الفروع الفقهية، وتسليط الضوء على مساحة التفاعل العميقة بين أصول الأحكام الشرعية وقواعد العربية؛ مادام النص الديني نصا لغويا، لا يمكن استيعابه أو استنباط أحكامه بدون إلمام عميق باللغة وتراكيبها وقواعدها. ولد نجم الدين الطوفي، واسمه سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد، بقرية طوف القريبة من بغداد سنة 675هـ على الأرجح. وتردد على البلدات المجاورة ليدرس الحديث والفقه والنحو. ثم انتقل إلى دمشق ليتتلمذ على علمائها، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ المزِّي، والحافظ البرزالي وغيرهم. وفي سنة 705 انتقل إلى القاهرة حيث حظي بالتكريم والتبجيل من لدن قاضي القضاة سعد الدين الحارثي، والذي ولاه مهمة تدريس الفقه الحنبلي بالمدرستين المنصورية والناصرية. أثارت حظوته لدى القاضي حسد خصومه فرموه بتهمة التشيع، ونسبوا إليه أبيات شعر في هجاء أبي بكر وعائشة رضي الله عنهما. وكانت أسوأ محنة تعرض لها الطوفي في حياته، وتناقلها المؤرخون المتقدمون، خاصة ابن رجب. لكن، وللإنصاف، فقد حقق المعاصرون جملة من الأخبار التي تنفي عنه هذه التهمة؛ فالرجل كان حنبلي المذهب في فروع الفقه. تشهد بذلك المتون التي حفظها في بداية مشواره العلمي، وعدد شيوخه الحنابلة الذي بلغ خمسة عشر شيخا. أما مؤلفاته ففيها رد قوي على مزاعم الروافض وادعاءاتهم، وتأويلاتهم الفاسدة لنصوص الكتاب والسنة. ويبدو من طبيعة المسائل التي عرضها أنه كان يكثر الجلوس مع فقهائهم لمعرفة ما عندهم، وفي مقدمتهم شيخهم السكاكيني المعتزلي، لذا أظهر في كتبه سعة اطلاع على هذا المذهب، خاصة في كتابه (الإشارات الإلهية). بعد خروجه من السجن أقام ببلدة (قوص) في الصعيد المصري، وتفرغ للقراءة والتأليف؛ ثم خرج قاصدا بيت الله الحرام للحج سنة 714هـ، قبل أن توافيه المنية ببلدة الخليل في فلسطين سنة 716هـ تشهد مصنفات نجم الدين الطوفي على كثرة اطلاعه، وسعة علمه، وغزارة عطائه في أصول الدين، والتفسير، والحديث، والفقه، والمناظرة والجدل. ومن أشهرها: – كتاب الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية، ويتناول مباحث أصول الدين والفقه في القرآن الكريم. – وكتاب الإكسير في قواعد التفسير. -وكتاب الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، للرد على طعون النصارى في دين الإسلام ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. – وكتاب جدل القرآن، أو كما سماه (علَم الجذَل في علم الجدل). وهو كتاب يعرض لجدل القرآن الكريم، وأساليبه في إيراد الأدلة ومحاججة الخصوم. وضم وقائع جدلية استخرجها المؤلف باستقرائه لأزيد من خمسين سورة، وناقشها في ضوء قوانين علم الجدل. كانت غضبة نجم الدين الطوفي غضبة عملية؛ لم تقف عند حدود العاطفة وصيغ الاعتزاز الوجداني بلغة القرآن؛ وإنما أثارت كوامنها، وأبرزت قدراتها النحوية والتركيبية في تجويد النظر الفقهي، وتبديد الغربة بين علمين مترابطين لحل القضايا الشائكة التي تعترض حياة الناس. وفي هذا يقول ابن جني:” إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمَه ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها“(2) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * نجم الدين الطوفي: الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية. دراسة وتحقيق د. محمد بن خالد الفاضل. مكتبة العبيكان. الطبعة الأولى 1997 1- الصعقة الغضبية. ص278 2- ابن جني: الخصائص. ج3 ص245 The post غضبة الطوفي appeared first on هوية بريس.
حسن طارق يدعو إلى تجديد السردية الوطنية المغربية لتعزيز ارتباط الشباب بالهوية
عا وسيط المملكة، حسن طارق، مساء أمس السبت بطنجة، إلى تعميق وتجديد السردية الوطنية المغربية…








