ما وراء “حرب المصاحف” حين يكون النص ذريعة والمشروع غاية
هوية بريس – عمر طاهر أنهيت للتو حلقة بودكاست “ضفاف الفنجان” للصحفي يونس مسكين مع الباحث الماركسي محمد الناجي حول كتابه “حرب المصاحف”، وقرأت بعدها المقال العلمي المحرر للدكتور عبد الله الجباري المنشور صبيحة هذا الأحد، الذي فكك فيه تفاصيل الحلقة تفكيكا تقنيا دقيقًا، فبيّن خطأ الناجي في مصطلح “المصحف المتخير” المنحوت في القرن السادس الهجري، وفي تأريخ تبلور القراءات الذي ادعى تأخره إلى القرن الرابع، وفي توظيف مقتل عثمان رضي الله عنه وفي تخريجه اللغوي لآية الاستئناس وآية الأنفال.. فكان الرد العلمي على هذه التفاصيل قد كفي مؤونته، ومن أراد التحقيق فليرجع إلى المقال سأضعه بالتعليق إلى جانب رابط الحلقة على قناة The Voice صوت المغرب. ويبقى وراء التفاصيل ما هو أخطر منها، وهو البنية الفكرية للمشروع وغايته النهائية. قبل الحديث عن المشروع، تستوقفنا أهلية الباحث للخوض في الموضوع. الناجي أنثروبولوجي ماركسي التكوين، فرنسي اللسان والمراجع، ويبدوا من الواضح للمتخصصين في العلوم الشرعية أن الناجي ضعيف الزاد في علوم القرآن وعلوم العربية. فقد تابعنا الحلقة فلم نسمع منه عربية فصيحة، بل دارجة مغربية ركيكة طغت على مجمل كلامه. فكيف لمن يعجز عن أداء العربية الفصحى في حوار محسوب الزمن أن يحاكم لغة القرآن؟، ويفصل في وجوه القراءات، ويحكم على آيات الذكر الحكيم بالتعديل والتطوير؟ من لا يحسن أبجديات اللغة لا يؤتمن على تفصيل دقائقها. وقد كشف الجباري في مقاله نماذج من هذا الضعف، من خلط في معنى “الرسم” وتسرع في معنى “الاستئناس” وتخبط في معنى “النسيان”. وبالنسبة لأكاديمي كبير يناقش هكذا قضايا فهذه ليست مجرد هفوات وإنما هي علامة عجز منهجي عن مقاربة نص العربية الأرفع. وينبغي للقارئ أن ينتبه إلى أن الناجي لا يروم تقديم بحث في تاريخ المصحف كما يبدوا للمستمع… الحقيقة أن الناجي يسعى لتقديم نموذج تفسيري ماركسي يفرض على المادة الإسلامية فرضا (والنموذج جاهز قبل البحث، والشواهد تستحضر لخدمته). فعنده كل نص يقرأ بوصفه ساحة صراع طبقي، وكل توافق يفسر بوصفه قمعا للمختلف، وكل ثبات في الرواية يفسر بوصفه “غلقا” سلطويا. وحين يصطدم النموذج بالمادة، تطوع المادة وتسكت الرواية. هذه أيديولوجيا تتقنع بأدوات العلم ومنهجية البحث… ففضلا عنما ذكره الجباري وتداوله النُقاد يبدوا لي أن أخطر ما جاء في الحلقة جملتان تستحقان وقفة منفصلة وربما تنبه لها الدكتور خالد الصمدي: • الأولى في الدقيقة 00:28:05 وهي قول الناجي: “كلام الله لا يأتي مطبوعا في المطبعة” هذه صياغة بلاغية ذكية تخفي تحويلا عقديا جوهريا، فالقرآن ينتقل من كونه كلاما إلهيا محفوظا بحفظ الله، إلى كونه نتاجا تفاعليا بين النبي ومحيطه. • والثانية في الدقيقة 01:03:11 وهي قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم “كان ينصت لمحيطه ويستلهم من مقترحات عمر” “شحال من آية جات من عندو هو”. وهذه عبارة تنزع عن النبوة صفة التلقي عن الله، وتحولها إلى عبقرية اجتماعية تستجيب لضغط البيئة ويضرب حقيقة وتعريف الوحي بالكلية!. عبارتان عابرتان في سياق المقابلة، تحملان نسف ركن من أركان الإيمان، وهو أن القرآن وحي من عند الله لفظا ومعنى، محفوظ بضمان الله نفسه في قوله “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”. وتغفل الحلقة كلها عن شهادة المخطوطات القرآنية المبكرة المكتشفة في صنعاء وبرمنغهام وطشقند وتوبكابي وسمرقند، وهي مخطوطات تعود إلى القرن الأول الهجري، وقد ثبت بالتحقيق العلمي الغربي قبل الإسلامي تطابقها مع المصحف العثماني المتداول بين أيدينا. وهي شهادة مادية حاسمة لا تقبل الجدل، يتجاوزها الناجي تجاوزا تاما وهو الذي يعرف نفسه بالأنتروبولوجي. لماذا إذن؟ لأن إثباتها يهدم فرضية التطور من أساسها… ومن يدعي العلمية لا يجوز له أن يبني نظرية في تاريخ النص ويتجاهل أهم الأدلة المادية على ذلك التاريخ. ولعل الغاية النهائية من المشروع تظهر في خاتمة الحلقة، حين يقول الناجي إنه “مسلم ثقافيا وحضاريا” ويدعو إلى استلهام الإسلام بوصفه “رأسمالا تاريخيا” على غرار النموذج الصيني مع إرثه الكنفوشيوسي. هنا نشكر الناجي لأنه كشف الورقة الأخيرة الواضحة، فالمطلوب منا هو الاحتفاظ بالإسلام بوصفه ذاكرة جماعية وزخرفا حضاريا مع تنحيته بوصفه نصا تشريعيا وعقيدة حاكمة… طبعًا هذا هو جوهر مشروع الحداثيين العرب منذ أركون ومن معه، الجديد اليوم هو أنه يقدم بلغة أنثروبولوجية مغربية، وبتوقيت يتقاطع مع نقاشات مدونة الأسرة والمرجعية الدينية في الفضاء العام وخرجات وزير العدل. والغاية نزع القدسية تمهيدا لتنحية النص. ختامًا أحيي مجددًا الدكتور عبد الله الجباري على ما كتب من نقد علمي، وأدعو إلى استكمال الرد العلمي اليوم على ثلاثة مستويات: – توضيح تفكيك النموذج الماركسي في تعامله مع الوحي… – وإبراز شهادة المخطوطات المبكرة في الرد على دعوى التطور. – ومعالجة عقدية صريحة للعبارتين الخطيرتين اللتين مرتا في الحلقة دون توقف. فالنقد العلمي لمثل هذه الأطاريح واجب كفائي، خصوصا حين يقدم صاحبها مشروعه بلغة هادئة ويسوق لإنتاجه الجديد مع دعوة إلى نقاش رصين بعيد عن السجال خاصة وهو الأكاديمي المعروف. لأن هدوء النبرة لا يغير من جذرية الأطروحة شيئا، وحتى الاستشراق حين يلبس جلبابا محليا مغربيًا فيبقى استشراقا. The post ما وراء “حرب المصاحف” حين يكون النص ذريعة والمشروع غاية appeared first on هوية بريس.
لماذا لم ينتهِ السرطان رغم الاختراقات الطبية المتواصلة؟
هوية بريس – وكالات قبل خمسين أو ستين عاماً، كان تشخيص السرطان في كثير من الحالات يُشبه حكم…







