مصطفى عنترة: الهوية المغربية رحلة الانتقال من الأحادية إلى التعددية

بين سؤال الهوية وسؤال الدولة، وبين الذاكرة التي تسكن الجبال والقرى واللغات المنسية، وبين الخطابات التي عبرت دهاليز السياسة والدساتير، ظل المغرب يكتب ذاته بمداد التعدد لا بلون واحد. وهذه الأرض التي عبرتها الحضارات، ونامت في وجدانها العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، لم تكن يوما مجرد جغرافيا صامتة، بقدر ما كانت دائما فضاءً تتصارع داخله الأسئلة الكبرى حول معنى الانتماء، وحدود الوحدة، وإمكانية العيش المشترك داخل وطن تتعدد أصواته ولا يتشظى. في هذا الحوار على جريدة هسبريس مع الكاتب المغربي مصطفى عنترة، الباحث في قضايا التعدد الثقافي واللغوي، لا يتعلق الأمر فقط بتتبع تطور مفهوم الهوية الوطنية بين دستور وآخر، أو بين خطاب سياسي وآخر، وإنما بمحاولة الإنصات إلى التحولات العميقة التي عرفها الوعي المغربي وهو ينتقل، ببطء وحذر، من فكرة التجانس إلى الاعتراف بالتنوع. وكيف استطاعت الهوية المغربية أن تحافظ على وحدتها وهي تفتح أبوابها لاختلافاتها الداخلية؟ وهل يمكن للغة ظلت طويلا في الهامش أن تتحول إلى قلب الرمزية الوطنية؟ ثم أي معنى للمواطنة حين يصبح الاعتراف الثقافي جزءا من العدالة نفسها؟ إنه حوار على عتبات هسبريس يدخلنا إلى منطقة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع السياسة بالتاريخ، والثقافة بالسلطة، والذاكرة الجماعية بمستقبل الدولة الحديثة، وحيث تتحول الهوية من مجرد تعريف ثابت إلى سؤال مفتوح على القلق، والتعدد، وإمكانية بناء وطن يتسع للجميع وينسج باحترام ثقافة الاختلاف. كيف يمكن فهم تطور مفهوم الهوية الوطنية في المغرب بين الخطاب السياسي المتغير والمراحل الدستورية المتعاقبة، خاصة من دستور 1962 إلى دستور 2011؟ يمكن فهم تطور مفهوم الهوية الوطنية في المغرب باعتباره مسارا انتقل من منطق الهوية الأحادية إلى منطق الهوية التعددية المركبة، وذلك تحت تأثير التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المغرب منذ الاستقلال. فدستور 1962 جاء في سياق بناء الدولة الوطنية الحديثة، حيث غلب عليه تصور يربط الهوية المغربية بالعروبة والإسلام، باعتبارهما عنصرين موحدين للدولة والمجتمع. وقد استمر هذا التوجه في الدساتير اللاحقة في ظل الرؤية والفلسفة التي كانت لدى الملك الراحل الحسن الثاني. لكن أعتقد أن التحولات التي عرفها المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة مع تصاعد موجة الحركات الثقافية والحقوقية وتأثيرات التغيرات الدولية المتسارعة، دفعت نحو مراجعة هذا التصور التقليدي للهوية. وقد شكل الخطاب الملكي التاريخي بأجدير سنة 2001 محطة مفصلية؛ إذ اعترف لأول مرة بالأمازيغية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الوطنية. ثم جاء دستور 2011 ليكرس هذا التحول بشكل دستوري واضح، من خلال التنصيص على الطابع التعددي للهوية المغربية، باعتبارها هوية موحدة بانصهار مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والحسانية وروافدها الثقافية والحضارية الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ويمكن القول في هذا السياق إن “خطاب أجدير” شكل محطة حاسمة في تطور تصور الدولة المغربية للهوية الوطنية؛ إذ قاد جلالة الملك محمد السادس تحولا يشبه “ثورة ثقافية هادئة”، فقد تم الانتقال من رؤية تميل إلى التجانس نحو مقاربة تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي باعتباره جزءا أصيلا من الشخصية المغربية. وقد أكد الخطاب الملكي أن الأمازيغية ليست قضية فئوية، بل مكوّن مشترك لجميع المغاربة، مما منحها شرعية وطنية ومؤسساتية تجسدت في إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما مهد هذا التحول للاعتراف الدستوري بالأمازيغية سنة 2011، وترسيخ تصور للهوية المغربية باعتبارها هوية متعددة المكونات والروافد ومنفتحة على التنوع داخل إطار الوحدة الوطنية. إن تطور مفهوم الهوية يعكس مسارا تاريخيا وفكريا انتقلت فيه الدولة المغربية من تصورٍ اندماجي يراهن على بناء وحدة وطنية قائمة على التجانس الثقافي واللغوي، إلى تصور تعددي أكثر انفتاحا، يقوم على الاعتراف بالتنوع باعتباره مكونا بنيويا للهوية الوطنية وليس عنصرا هامشيا فيها. فقد أصبحت الهوية تفهم بوصفها هوية مركبة وغنية بتعدد مكوناتها وروافدها، في إطار وحدة وطنية جامعة تستوعب الاختلاف وتحوله إلى مصدر قوة وتماسك بدل اعتباره عامل توتر وتفرقة أو تهديد. إلى أي حد ساهم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية في إعادة تشكيل بنية الهوية المغربية بوصفها هوية متعددة المكونات والروافد الثقافية واللغوية؟ ساهم الاعتراف الدستوري بالأمازيغية بشكل كبير في إعادة تشكيل بنية الهوية المغربية، لأنه نقل الأمازيغية من وضع ثقافي هامشي إلى مكون رسمي داخل البناء الدستوري للدولة. فدستور 2011 لم يكتف فقط بترسيم اللغة الأمازيغية، بل أعاد صياغة مفهوم الهوية الوطنية نفسها، عبر الاعتراف بتعدد مكوناتها وروافدها. وهذا التحول يحمل دلالة سياسية ورمزية عميقة، لأنه يقطع مع التصورات التقليدية التي كانت تربط الهوية المغربية ببعد واحد مهيمن. كما أن هذا الاعتراف ساهم بدوره في تعزيز مفهوم المواطنة الثقافية، من خلال إقرار حق مختلف المكونات في الاعتراف والتمثيل داخل الفضاء العمومي والمؤسساتي. وهذا التحول، رغم أهميته، لا يزال يواجه تحديات مرتبطة ببطء التفعيل القانوني والمؤسساتي، وباستمرار بعض التمثلات الاجتماعية والسياسية التي تنظر إلى التعدد الثقافي باعتباره تهديدا للوحدة الوطنية بدل اعتباره مصدر غنى وتكامل. لذلك، يمكن القول إن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية أسهم في إعادة تعريف الهوية المغربية نظريا ورمزيا، لكنه في نظري ما يزال في حاجة إلى تعميق عملي يضمن ترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات ثقافية ولغوية عادلة ومنصفة. هل استطاع “المفهوم الجديد للهوية” أن يترجم التعدد الثقافي واللغوي إلى واقع اجتماعي فعلي أم ظل محصورا في الإطار الرمزي والمؤسساتي؟ يطرح “المفهوم الجديد للهوية” إشكالية الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التفعيل الواقعي. فمن الناحية النظرية والمؤسساتية، حقق المغرب تحولا مهما من خلال دسترة التعدد اللغوي والثقافي وإحداث مؤسسات معنية بالنهوض بالأمازيغية والثقافة الوطنية المتعددة، إلا أن الترجمة الاجتماعية الفعلية لهذا التحول لا تزال تواجه عدة حدود. فعلى مستوى التعليم والإدارة والإعلام، ما يزال حضور الأمازيغية متفاوتا ومحدودا مقارنة بالمكانة التي منحها لها الدستور وكذلك القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. كما أن التعدد الثقافي لم يتحول بالكامل إلى ممارسة يومية داخل السياسات العمومية أو داخل الوعي المجتمعي العام. وهذا ما يجعل المفهوم الجديد للهوية يتحرك أحيانا داخل مستوى رمزي ومؤسساتي أكثر من كونه تحولا مجتمعيا شاملا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا المفهوم ساهم في توسيع النقاش العمومي حول معنى الهوية الوطنية، وأعاد الاعتبار لفكرة أن الوحدة الوطنية لا تعني الإلغاء أو التجانس، بل تعني تدبير الاختلاف داخل إطار المواطنة المشتركة التي تعد من المرتكزات الأساسية لبناء دولة حديثة تقوم على المساواة والاعتراف بالتنوع؛ إذ تعني انتماء جميع الأفراد إلى الوطن على أساس الحقوق والواجبات المشتركة، بغض النظر عن اختلافاتهم اللغوية أو الثقافية أو الجهوية، بما يساهم في ترسيخ قيم الانتماء والتعايش والتماسك الاجتماعي. كيف يمكن قراءة العلاقة بين الخطاب الأمازيغي والفاعلين السياسيين والمدنيين؟ هل يتعلق الأمر بمطلب ثقافي صرف أم بمشروع أعمق لإعادة تعريف الدولة والمواطنة في المغرب؟ يمكن قراءة العلاقة بين الخطاب الأمازيغي والفاعلين السياسيين والمدنيين باعتبارها علاقة مركبة تتجاوز البعد الثقافي الضيق. فالحركة الأمازيغية انطلقت في البداية من مطالب مرتبطة بالاعتراف باللغة والثقافة والهوية والذاكرة التاريخية، لكنها تطورت تدريجيا لتطرح أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة والمواطنة والديمقراطية والعدالة المجالية والثقافية. لذلك، فالخطاب الأمازيغي لا يتعلق فقط بالدفاع عن مكون ثقافي، بل يندرج ضمن مشروع أوسع يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والتنوع المجتمعي. وهو ما يظهر من خلال التركيز على قضايا التعددية الثقافية، والمساواة اللغوية، والإنصاف الرمزي، وإعادة التوزيع العادل للرموز الثقافية والاعتراف داخل المجال العمومي. في المقابل، تعاملت الأحزاب السياسية والفاعلون المؤسساتيون مع هذا الملف بدرجات متفاوتة؛ فبعضهم اعتبره مدخلا لتحديث الدولة وتعزيز الديمقراطية، بينما نظر إليه آخرون بمنطق الحذر أو التخوف من تأثيره على وحدة الدولة أو التوازنات السياسية. وفي هذا الإطار، برزت المؤسسة الملكية بوصفها فاعلا متقدما في إقرار الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي، خاصة في ما يتعلق بالأمازيغية، مقارنة مع جزء مهم من الأحزاب السياسية التي ظلت مترددة أو متأخرة في استيعاب هذا التحول والانخراط في تصور تعددي للهوية الوطنية. وعلى العموم، التجربة المغربية أظهرت تدريجيا أن تدبير التعدد الثقافي لا يؤدي بالضرورة إلى التفكك، بل يمكن أن يشكل أساسا لتعزيز الانتماء الوطني إذا تم في إطار ديمقراطي وتشاركي وإذا تم تدبيره وفق آليات مؤسساتية وديقراطية سليمة. في ضوء هذا العمل، كيف يمكن للباحث أن يوازن بين التحليل الأكاديمي لمسألة الهوية وبين حساسية الواقع السياسي والاجتماعي المرتبط بها؟ وما الذي يمكن أن تضيفه المقاربة العلمية لقضايا التعدد داخل المجتمع المغربي؟ يقتضي التوازن بين التحليل الأكاديمي لمسألة الهوية وحساسية الواقع السياسي والاجتماعي اعتماد مقاربة علمية تقوم على الموضوعية والابتعاد عن الأحكام الإيديولوجية المسبقة. فالباحث في قضايا الهوية يشتغل داخل مجال شديد الحساسية، تتداخل فيه الأبعاد التاريخية والسياسية والثقافية والرمزية، مما يفرض التعامل معه بأدوات تحليلية دقيقة تراعي تعقيد الظاهرة. وتكمن أهمية المقاربة العلمية في قدرتها على تفكيك التمثلات السائدة، وفهم التحولات التي عرفها مفهوم الهوية بعيدا عن منطق التخندق أو الصراع الهوياتي. كما تسمح هذه المقاربة بإبراز أن التعدد ليس حالة استثنائية أو تهديدا للدولة، بل هو معطى بنيوي في المجتمع المغربي يمكن تدبيره عبر آليات الاعتراف والإنصاف والمواطنة كما سبق للمفكر حسن أوريد أن تناوله في مجموعة من كتاباته المتميزة، وخاصة مؤلفه القيم “فخ الهويات”. ومن ثم، فإن القيمة الأساسية للعمل الأكاديمي تكمن في فتح فضاء للنقاش الرصين حول قضايا التعدد، وتقديم أرضية فكرية تساعد على بناء سياسات عمومية أكثر انسجاما مع الواقع الثقافي والاجتماعي للمغرب، بما يعزز الوحدة الوطنية على أساس الاعتراف بالتنوع لا على أساس إنكاره. The post مصطفى عنترة: الهوية المغربية رحلة الانتقال من الأحادية إلى التعددية appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
الدستورية الاحتجاجية بالمغرب.. محمد مدني يقدم مقاربة جديدة لفهم حركة 20 فبراير
قال محمد مدني أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن الإشكال المركزي الذي ا…






