Home الصحافة المغربية فيلم “جوج رواح” وتمرير الشذوذ في قالب الفكاهة!

فيلم “جوج رواح” وتمرير الشذوذ في قالب الفكاهة!

فيلم “جوج رواح” وتمرير الشذوذ في قالب الفكاهة!

هوية بريس – ذ.نور الدين درواش

لم يعد الحديث عن بعض الإنتاجات السينمائية، ومنها فيلم “جوج رواح“، مجرد تقييم فني عابر، بل صار مساءلة قيمية ومجتمعية وتربوية للقائمين على المجال، وذلك استنطاقا لما يراد غرسه في أعماق النفوس من معان وقيم. فالصورة حين تكرر، والرسالة حين تصاغ في قالب الكوميديا، وتغلف بطابع الضحك والخفة، لا تقفعند حد التسلية، بل تتجاوز ذلك إلى قوة خفية تعيد تشكيل الذوق، وتلين صلابة الإنكار، حتى يصبح المنكر مألوفا، والشذوذ مقبولا.

إن السينما حين تنفلت من عقال القيم الشرعية والهوية المغربية لا تكتفي بعرض الواقع، بل تعيد صياغته، وتسهم في صناعة واقع جديد تزاح فيه الحدود بين الحلال والحرام، ويختزل فيه ميزان الأخلاق في معيار القبول الجماهيري وإرضاء شركات الإنتاج التي بدورها تعيش على دعم جهات لها أجندات مسطرة.

ومن هنا تتجلى خطورة الرسائل التي تبث في ثنايا الأعمال الكوميدية والدرامية والسينمائية عموما، إذ يمرر فيها ما لا يمرر في غيرها، ويلبس الباطل لبوس الخفة والدعابة حتى يستساغ. وقد حذر القرآن من إشاعة الفاحشة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:19].

“ولا يخفى على بصير أن تقليد الناس ومحاكاة بعضهم لبعض، وتشبه فريق منهم بفريق، ظاهرة اجتماعية ونفسية لا تتخلف بالنسبة للخير والشر، وللصلاح والفساد، فإشاعة الفاحشة وقالة السوء تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا فاحشا ومجتمع سوء وإشاعة الخير قولا وفعلا تدفع بالمجتمع إلى أن يصير مجتمعا خيرا، ومن هنا نادى الإسلام في غير ما آية وغير ما حديث بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك حتى تضيق دائرة الشر، وتحاصر بؤرة الفساد فلا يتسرب إلى البلاد والعباد.” [تفسير المكي الناصري (2/10)].

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور:21]، لأن الانحراف لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل في خطوات ناعمة تبدأ بالتطبيع وتنتهي بتمام بالانحلال.

وفي هذا السياق، يقوم فيلم “زوج رواح” على فرضية تبادل الأرواح في تجربة علمية متوهمة، وهي فكرة خيالية تساق وتستثمر دراميا لتسويغ سلوكيات تعرض في قالب ساخر. وحين يقدم رجل في هيئة امرأة في تصرفاته وتمايلاته وطريقة حديثه، فإن المشهد لا يقصد به الإضحاك فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى كسر الحاجز النفسي الذي يمنع تقبل هذا النمط من السلوك. وهنا تتحول الكوميديا إلى أداة تهيئة، يعوَّد بها المتلقي على ما كان يرفضه، حتى إذا تكرر المشهد زال الاستغراب وخف الاستنكار.

وقد جاء التوجيه النبوي حاسما في هذا الباب حماية للفطرة وصيانة للتمايز الذي أقامه الله بين الجنسين، فقال صلى الله عليه وسلم: “لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال” [رواه البخاري].

وقال عليه الصلاة والسلام: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» [رواه البخاري]، وفيه إشارة إلى أن انهيار الحياء هو أول أبواب الانحلال.

ولا يقف الأمر عند حدود هذا النموذج من هذا الفيلم فقط، بل يتصل بسياق أوسع يطبَّع من خلاله مع الخيانةوالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وأنماط أخرى من الانفلات الأخلاقي، بدعوى أن هذه الأعمال مجرد كوميديا أو وصف لواقع نعيشه. ومع التكرار يعاد تشكيل صورة المجتمع في الأذهان، حتى يبدو وكأن الفساد هو الأصل، والاستقامة استثناء. وهذا قلب للحقائق وتزييف لهوية مجتمع ظل عبر تاريخه مصانا بقيم العفة، وقائما على مركزية الأسرة، ومتشبعا بروح التدين.

وإذا امتد البصر إلى ما وقع في بعض المجتمعات الغربية، تبين أن مسار التطبيع مع الشذوذ الجنسي لم يكن وليد اللحظة، بل هو ثمرة تراكمات فكرية وثقافيةوإعلامية وسينمائية وفنية.. بدأت بالتطبيع ثم انتهت إلى التقنين، ثم إلى فرض القبول به بوصفه معيارا للانفتاحوعلامة على البراءة من كل أشكال التمييز ضد الآخر. ومع ذلك لم يخل المشهد من أصوات عاقلة من مفكرين وساسة وعلماء اجتماع وأطباء، حذرت من تفكك البنية الأسرية، واضطراب الهوية، وتنامي الأزمات النفسية، مؤكدة أن الصدام مع الفطرة لا يمكن أن يمر دون أثمان باهظة.

إن الفطرة التي فطر الله الناس عليها ليست رأيا قابلا للتفاوض، بل هي سنة كونية، قال فيها الحق سبحانه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:30]، ولذلك جاء القرآن الكريم بقصة قوم لوط عليه السلام للتحذير من مآل الانحراف حين يجاهَر به ويدافَع عنه، فقال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم﴾ [الشعراء:165-166]،

وقال سبحانه: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:166].

إن أخطر ما يخشى اليوم ليس مجرد وجود هذه المضامين، بل تحولها إلى أمر مألوف يدافع عنه ويحتفى به، حتى يصير المعروف منكرا والمنكر معروفا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع” [متفق عليه]، تحذيرا من الانسياق وراء نماذج تخالف هدي الوحي وتصادم الفطرة.

وأمام هذا التحدي، تبرز مسؤولية جماعية لا تحتمل التراخي، تبدأ من الأسرة، وتمر عبر المدرسة، وتصل إلى الإعلام، في تحصين الأجيال وترسيخ القيم وكشف الرسائل المبطنة التي تمرر في ثنايا الأعمال الفنية.

إن المجتمع المغربي، الذي قام عبر قرون على ثوابت الإسلام، ليس بحاجة إلى استيراد نماذج تفكك بنيته، ولا إلى خطاب يزين لأبنائه ما يخالف فطرتهم، بل هو أحوج ما يكون إلى منتوج إعلامي نظيف وراق،يستند إلى مرجعيته، ويعبر عن هويته، ويصون أخلاقه.

فإذا كانت الكلمة مسؤولية، فالصورة أشد أثرا، وإذا كان الانحراف يبدأ خطوة، فإن الوقاية تبدأ وعيا… وصدق الله إذ يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216].

The post فيلم “جوج رواح” وتمرير الشذوذ في قالب الفكاهة! appeared first on هوية بريس.

هوية بريسمصدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

sixteen − 5 =

Check Also

بلاغ من الديوان الملكي.. رسالة خطية من الملك محمد السادس إلى العاهل الأردني

هوية بريس – و م ع في ما يلي بلاغ من الديوان الملكي: “بعث صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ن…