بين تقلبات دولية واختلالات داخلية.. الأسعار في المغرب تحت مجهر البرلمان
عاد ملف الأسعار في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي خلال الأسابيع الأخيرة، في ظل تسجيل زيادات متتالية في عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية، ما أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول فعالية السياسات العمومية المعتمدة في تدبير هذا القطاع الحيوي، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات السوق وحماية القدرة الشرائية للأسر.
ويأتي هذا التطور في سياق اقتصادي يتسم بتقلبات دولية حادة، خاصة على مستوى أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، غير أن حدته داخلياً أثارت انتقادات متزايدة لطبيعة اشتغال السوق الوطنية.
وسجلت أسعار المحروقات، وعلى رأسها الغازوال والبنزين، ارتفاعات لافتة خلال الفترة الأخيرة، حيث تجاوز سعر اللتر في بعض المحطات 13 درهماً بالنسبة للغازوال و14.50 درهماً للبنزين، وهو ما انعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والإنتاج، ومن ثم على أسعار عدد من السلع والخدمات.
وقد خلفت هذه الزيادات موجة استياء واسعة في صفوف المواطنين، خاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما زاد من حدة النقاش حول دور آليات المراقبة ونجاعة سياسة تحرير الأسعار التي تم اعتمادها منذ سنوات.
وفي هذا السياق، برزت مطالب متزايدة من قبل فاعلين سياسيين ونقابيين بضرورة تشديد الرقابة على الأسواق والتصدي لمظاهر المضاربة والاحتكار، التي يعتبرها كثيرون من بين العوامل المساهمة في تضخيم الأسعار بشكل غير مبرر.
وخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين المنعقدة يوم الثلاثاء 14 أبريل، دعا المستشار البرلماني الخمار المرابط إلى اعتماد مقاربة أكثر صرامة في تتبع مسالك توزيع المواد الأساسية، مؤكداً أن ضمان التموين لا يحقق أهدافه في ظل استمرار ممارسات غير مشروعة تستنزف القدرة الشرائية للمواطنين.
وأوضح المتحدث ذاته أن بعض المواد المستوردة تعرف اختلالات ملحوظة، سواء بسبب ندرتها خلال فترات معينة أو نتيجة استغلال التوترات السياسية والعسكرية على الصعيد الدولي لرفع أسعارها، داعياً إلى فرض مراقبة دقيقة على سلاسل التوزيع والتسويق داخل الأسواق الوطنية.
كما شدد على ضرورة تكثيف عمليات المراقبة لحماية المستهلك من الغش ومن السلوكيات التي تخل بقواعد المنافسة الشريفة، معتبراً أن بعض الممارسات التي وصفها بـ”البئيسة” تضر باستقرار السوق وصحة المواطنين.
وفي السياق ذاته، أكد المرابط على أهمية تعزيز آليات اليقظة الصحية لضمان جودة وسلامة المنتجات، خاصة المستوردة منها، مشيراً إلى أن صحة المواطن يجب أن تظل أولوية قصوى في أي سياسة عمومية.
كما نوه بالتدابير التي اتخذتها الحكومة لضمان تموين السوق، لاسيما تقليص تصدير بعض المواد الحيوية من أجل تعزيز وفرتها داخلياً، وهو ما ساهم نسبياً في الحفاظ على توازن العرض والطلب.
من جانبه، أكد وزير الصناعة والتجارة رياض مزور أن الحكومة تتابع بشكل دقيق تطورات وضعية التموين والأسعار، مشيراً إلى أن الظرفية الجيوسياسية الحالية، التي وصفها بالمتوترة، تلقي بظلالها على مختلف التوازنات الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بكلفة المدخلات وسلاسل الإمداد. وأوضح أن هذه التحولات العالمية أفرزت تحديات ملموسة أثرت على استقرار الأسواق، مما يستدعي تدخلات مستمرة لضمان التموين المنتظم والتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن الحكومة حددت عدداً من الأولويات، من بينها ضمان استمرارية التموين والتحكم في مستويات الأسعار، مؤكداً أن عدداً من الإجراءات الاستباقية تم اتخاذها لمواكبة هذه المرحلة.
كما لفت إلى أن بعض المواد الأساسية تأثرت أيضاً بالتقلبات المناخية التي شهدتها عدة مناطق، وهو ما انعكس على مستويات الإنتاج وأسهم في الضغط على الأسعار.
وفي إطار التخفيف من الأعباء الملقاة على كاهل المواطنين، اتخذت الحكومة سلسلة من التدابير الداعمة، أبرزها الحفاظ على سعر غاز البوتان، حيث تتحمل الدولة دعماً إضافياً يصل إلى 48 درهماً لكل قنينة من فئة 12 كيلوغراماً، ليبلغ إجمالي الدعم 78 درهماً للقنينة الواحدة، بكلفة شهرية تناهز 600 مليون درهم.
كما تم الإبقاء على تسعيرة الكهرباء الموجهة للاستهلاك المنزلي دون تغيير، رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج المرتبطة بالفيول والغاز الطبيعي والفحم، مع تخصيص غلاف مالي يقارب 400 مليون درهم شهرياً لهذا الغرض.
ورغم هذه الإجراءات، يظل ملف الأسعار من بين أبرز القضايا التي تستأثر باهتمام الرأي العام، في ظل استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا الإطار، تستعد المركزيات النقابية لطرح هذا الملف بقوة خلال جولات الحوار الاجتماعي المرتقبة، مع التركيز على ضرورة تحسين الأجور لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة في صفوف الطبقة الشغيلة التي تأثرت بشكل مباشر بهذه التحولات.
وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن تحقيق استقرار الأسعار يظل رهيناً بتكامل عدة عوامل، من بينها تشديد المراقبة على الأسواق، وتعزيز الشفافية في سلاسل التوزيع، إلى جانب مواصلة التدخلات الحكومية الهادفة إلى دعم القدرة الشرائية.
كما يظل الرهان قائماً على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السوق الحرة وضمان حماية المستهلك، في سياق اقتصادي لا يزال يواجه تحديات داخلية وخارجية متشابكة.
وهبي: لم ألتزم مع المحامين وبسببهم لن أجالس أي هيئة أخرى
عاد وزير العدل عبد اللطيف وهبي إلى خلافه مع المحامين حول إعداد قانون ولوج المهنة، ليجيب عن…










