التجاوزات في قطاع الشغل بين اعتراف حكومي وانتقادات برلمانية متصاعدة
لا تزال التجاوزات الحقوقية في قطاع الشغل تطرح بإلحاح داخل النقاش العمومي، باعتبارها مؤشرا على وجود فجوة بين الترسانة القانونية المنظمة لعلاقات الشغل وبين الممارسات الفعلية داخل عدد من القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
وتتجلى هذه الاختلالات في صور متعددة، من قبيل هشاشة عقود العمل، وضعف التصريح بالأجراء لدى الصناديق الاجتماعية، وعدم احترام الحد الأدنى للأجور أو ساعات العمل القانونية، فضلا عن محدودية شروط السلامة المهنية في بعض الوحدات.
كما تبرز هذه الإشكالات بشكل أكبر في القطاعات غير المهيكلة، حيث تغيب آليات المراقبة الصارمة، ويجد العامل نفسه في وضعية تفاوض غير متكافئة، ما يفتح المجال أمام ممارسات تمس بالحقوق الأساسية للشغيلة وتؤثر على استقرارها المهني والاجتماعي.
هذا التباين برز بشكل واضح خلال أشغال الجلسة الشفهية بمجلس النواب، اليوم الاثنين، التي تحولت إلى فضاء لنقاش محتدم حول حصيلة الحكومة في مجال حماية حقوق العمال وضمان شروط العمل اللائق.
في هذا السياق، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أن الحكومة تمكنت من تحقيق تقدم وصفه بالمهم في عدد من الملفات المرتبطة بالشغل، خاصة ما يتعلق بتحسين الأجور وتعزيز الحريات النقابية وترسيخ احترام القانون في العلاقات المهنية.
كما أكد، يونس السكوري، أن مصالح تفتيش الشغل نفذت حوالي 25 ألف زيارة مراقبة خلال سنة 2025، أسفرت عن تسجيل مئات الآلاف من الملاحظات المرتبطة باحترام مدونة الشغل والحماية الاجتماعية.
كما أوضح السكوري أن عمليات التفتيش أسفرت عن تسجيل حوالي 335 ألف ملاحظة، من بينها 85 ألف ملاحظة تتعلق بعدم احترام الحد الأدنى للأجور أو اختلالات في صرفه، مؤكداً أنه تمت إحالة الملفات المعنية على الجهات المختصة، وخاصة القضاء.
وأقر المسؤول الحكومي، في المقابل، بإمكانية تسجيل اختلالات أو تجاوزات في بعض الحالات، معتبرا أن ذلك لا ينفي وجود مسار عام إيجابي في اتجاه تطوير منظومة الشغل وتعزيز حماية الأجراء.
وجاءت هذه التصريحات خلال تفاعل الوزير مع تساؤلات برلمانية تمحورت حول وضعية العمال والحوار الاجتماعي، حيث شدد على أن “لا أحد يمكنه إنكار إمكانية وجود اختلالات”، مبرزا أن الحكومة تتعامل مع هذه الإشكالات في إطار مقاربة تدريجية تروم تحسين الأوضاع بشكل مستدام، في ظل ظرفية اقتصادية واجتماعية وصفها بـ”الاستثنائية”.
كما أكد أن الإصلاحات الجارية تندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى إرساء توازن بين متطلبات الاقتصاد وضمان الحقوق الأساسية للشغيلة.
في المقابل، لم تتردد مداخلات عدد من النواب، خصوصا من صفوف المعارضة، في التشكيك في نجاعة هذه الإصلاحات، حيث أثاروا ما وصفوه باستمرار “انتهاكات صارخة” لحقوق العمال والعاملات، مشيرين إلى أن عددا من القطاعات لا يزال يشهد اختلالات بنيوية تمس شروط العمل والحماية الاجتماعية، من قبيل الهشاشة المهنية وضعف المراقبة وغياب الإنصاف في بعض العلاقات الشغلية.
واعتبر المتدخلون أن هذه الوضعية تطرح تساؤلات جدية حول مدى انعكاس السياسات العمومية على الواقع المعيشي لفئات واسعة من الأجراء.
كما شكل موضوع الحوار الاجتماعي أحد أبرز محاور النقاش، في ظل انتقادات وجهها نواب إلى ما اعتبروه إقصاء لبعض النقابات من هذا المسار، وهو ما قد يؤثر، حسب تعبيرهم، على مبدأ التعددية النقابية وشمولية التمثيلية.
وفي هذا الإطار، دافع السكوري عن المقاربة الحكومية، موضحا أن الحوار يتم وفق ما ينص عليه الدستور والقوانين الجاري بها العمل، من خلال التفاعل مع النقابات الأكثر تمثيلية، مع التأكيد على الانفتاح على مختلف المبادرات ذات الطابع التقني.
وأوضح الوزير أن الحوار الاجتماعي يجري داخل إطار مؤسساتي منظم، يهدف إلى تحقيق التوازن في التفاوض وضمان الفعالية في معالجة القضايا المطروحة، مشيرا إلى أن الحكومة بذلت مجهودات كبيرة للتعامل مع التحديات الراهنة، خاصة في ظل تداعيات الأوضاع الاقتصادية العالمية.
وأضاف أن السلطة التنفيذية تتحمل مسؤوليتها الكاملة في تدبير ملفات الشغل، مع الحرص على مواصلة تحسين الأوضاع الاجتماعية وتعزيز آليات التشاور مع مختلف الفاعلين.
غير أن هذه التوضيحات لم تقنع عددا من البرلمانيين، الذين تساءلوا عن الحصيلة الفعلية للإجراءات الحكومية، خاصة مع اقتراب فاتح ماي، معتبرين أن ما يتم تقديمه يظل، في نظرهم، دون المستوى المطلوب ولا ينعكس بشكل ملموس على حياة العمال.
ودعوا إلى اتخاذ تدابير عملية ومستعجلة لحماية حقوق الشغيلة، وتوسيع دائرة الحوار الاجتماعي لتشمل مختلف الحساسيات النقابية، إلى جانب إدماج قضايا المتقاعدين ضمن أولويات السياسات الاجتماعية.
وفي مداخلة لافتة، وجهت النائبة البرلمانية عن المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، الباتول أبلاضي، انتقادات حادة للحكومة، معتبرة أن أوضاع الشغيلة لا تعكس ما يتم الترويج له من أرقام ومعطيات رسمية.
وقالت إن واقع العمال “قاتم”، مضيفة أن المؤشرات المقدمة لا تعبر عن التحولات الحقيقية التي ينتظرها المواطنون في مجال الشغل والحماية الاجتماعية.
وأشارت النائبة البرلمانية إلى أن المغرب مصنف ضمن “الفئة الثالثة من انتهاكات حقوق الشغيلة”، وهو ما اعتبرته مؤشرا مقلقا يعكس حجم التحديات المطروحة، منتقدة في الوقت ذاته ما وصفته بغياب إجراءات ملموسة لتحسين أوضاع فئات مهنية واسعة.
كما تساءلت عن مآل عدد من الأوراش الاجتماعية، من بينها قانون النقابات ومراجعة مدونة الشغل وإصلاح أنظمة التقاعد وتفعيل التعويض عن فقدان الشغل.
كما أثارت المتدخلة مسألة البطالة، معتبرة أن نسبتها تجاوزت 13 في المائة، مع تسجيل أكثر من مليون ونصف عاطل عن العمل، وهو ما اعتبرته تراجعا يعيد الوضع إلى مستويات سابقة. وانتقدت ما وصفته بتباين الأرقام الحكومية بشأن مناصب الشغل المحدثة، معتبرة أن الحصيلة المسجلة لا ترقى إلى الأهداف المعلنة.
ولم تغفل النائبة الإشارة إلى وضعية الفئات الهشة، من قبيل عاملات النظافة وربات البيوت والعاملات في القطاع الفلاحي، معتبرة أن هذه الفئات لا تزال خارج دائرة الاهتمام الكافي في السياسات العمومية، رغم هشاشة أوضاعها وحاجتها إلى تدخلات مستعجلة.
وخلصت إلى أن عددا من الأوراش الاجتماعية الكبرى لم يحقق التقدم المنتظر، داعية الحكومة إلى تقديم حلول عملية بدل الاكتفاء بالخطاب والأرقام.
ويعكس هذا النقاش البرلماني استمرار التوتر بين الخطاب الرسمي والتقييمات المعارضة بخصوص واقع الشغل في المغرب، في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بسوق العمل، ما يجعل مسألة تعزيز حقوق الشغيلة وضمان شروط العمل اللائق رهانا مركزيا في السياسات العمومية خلال المرحلة المقبلة.
ملتقى الفلاحة يعزز السيادة الغذائية ويكرس موقع المغرب منصة دولية للقطاع
أكدت الدورة 18 من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب مكانة المملكة كفاعل رئيسي في قضايا الأمن …



