دراسة تحذر من هيمنة الوسطاء على تسويق المنتجات الفلاحية المغربية
تتواصل في المغرب موجة الجدل المرتبطة بارتفاع أسعار المنتجات الفلاحية، في وقت تتزايد فيه شكاوى المستهلكين من اتساع الفارق بين أثمنة البيع داخل الضيعات والأسعار المعروضة في الأسواق والمحلات التجارية، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول أعطاب منظومة التسويق الفلاحي وهيمنة الوسطاء على مسار توزيع المنتجات الأساسية. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أنجزتها مؤسسة “VIVAE CAPITAL” عن اختلالات عميقة تطبع سلسلة تسويق الخضر والفواكه بالمغرب، متخذة من الطماطم نموذجا بارزا لفهم كيفية تضاعف الأسعار بشكل كبير بين مرحلة الإنتاج ووصول المنتوج إلى المستهلك النهائي، رغم غياب أي تحويل صناعي أو قيمة مضافة حقيقية تبرر هذا الارتفاع. وأوضحت الدراسة أن سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم ينتقل من حوالي 4 دراهم داخل الضيعات الفلاحية إلى ما يقارب 15 درهما في أسواق التقسيط، أي بزيادة تناهز 3.75 مرات، وهو ما اعتبرته الدراسة نتيجة مباشرة لتراكم الرسوم وهوامش الربح عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والمتدخلين في عمليات التسويق والتوزيع. وبحسب المعطيات الواردة في الدراسة، فإن كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الطماطم داخل دفيئات جهة سوس-ماسة تصل في الظروف العادية إلى حوالي 4 دراهم، وهو رقم يشمل مصاريف البذور والأسمدة والطاقة واليد العاملة والنقل الأولي، وتؤكده معطيات مهنيين وغرف فلاحية تنشط بالمنطقة. ورغم أن الفلاح يبيع محصوله بهامش ربح محدود يتراوح غالبا ما بين 4 و6 دراهم للكيلوغرام الواحد، فإن الأسعار تبدأ في الارتفاع مباشرة بعد انتقال المنتوج إلى الوسطاء المكلفين بنقله نحو أسواق الجملة، حيث يصل السعر في هذه المرحلة الأولى إلى حوالي 7 دراهم، قبل أن يواصل منحاه التصاعدي داخل مسارات التوزيع اللاحقة. وأبرزت الدراسة أن أحد أبرز مكامن الخلل يرتبط بمنظومة أسواق الجملة التي ما تزال تشتغل وفق إطار قانوني يعود إلى سنة 1962، دون أن يخضع لإصلاحات جوهرية تواكب التحولات الاقتصادية والتجارية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة. وأشارت إلى أن حق البيع داخل هذه الأسواق يظل محصورا في عدد محدود من الوكلاء المعتمدين على المستوى الوطني، والذين يحصلون على عمولات ورسوم تساهم بشكل مباشر في رفع الأسعار، إلى جانب الاقتطاعات المفروضة لفائدة الجماعات الترابية، وهو ما يثقل كلفة المنتوج قبل وصوله إلى المستهلك. وسجلت الدراسة أن الرسوم والاقتطاعات المفروضة داخل أسواق الجملة المغربية تفوق بشكل كبير ما هو معمول به في أسواق دولية كبرى، من بينها سوق “رونجيس” بباريس، معتبرة أن هذا الفارق يعكس غياب خدمات لوجستية حديثة وبنيات تنظيمية متطورة تبرر حجم التكاليف المفروضة على عمليات البيع والتوزيع. كما أوضحت أن الأسعار تعرف ارتفاعا إضافيا في المراحل النهائية من التسويق، مع دخول تجار الجملة من الدرجة الثانية وتجار نصف الجملة وبائعي التقسيط، حيث يضيف كل متدخل هامش ربحه الخاص، لينتقل السعر تدريجيا من 10 إلى 12 ثم 13 درهما، قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي بحوالي 15 درهما للكيلوغرام الواحد. واعتبرت الدراسة أن هذا المسار الطويل والمعقد لا يرتبط بجودة المنتوج أو بتحسين قيمته الاقتصادية، بل يعكس استمرار هيمنة شبكات الوساطة والريع داخل قطاع التسويق الفلاحي، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، ويضع المنتجين الصغار بدورهم أمام هامش ربح محدود لا يتناسب مع حجم التكاليف والمخاطر المرتبطة بالإنتاج الفلاحي. ويعيد هذا الوضع النقاش حول الحاجة إلى إصلاح شامل لمنظومة تسويق المنتجات الفلاحية بالمغرب، عبر تقليص عدد الوسطاء وتحديث أسواق الجملة وتعزيز آليات الشفافية والمراقبة، بما يضمن حماية المنتج والمستهلك في الآن نفسه، ويحد من المضاربات التي تساهم في رفع أسعار المواد الأساسية داخل الأسواق الوطنية.
“الجُسيم”.. محمد بوصفيحة يسافر بالقراء عبر الزمن في مؤلف يمزج بين العلم والفلسفة
—-«العمق المغربي .. صوت المغاربة» جريدة الكترونية مغربية تتجدد على مدار الساعة ̵…








