السينما والخطاب الملكي

السينما المغربية في مرآة الخطاب الملكي يفتح الخطاب الملكي ليوم 9 أكتوبر 2026 مجالا للتأمل في موقع السينما داخل التحولات التي يعيشها المغرب. فرغم أن السينما لم ترد فيه بصورة مباشرة، فإن الحديث عن الهوية، وطموح القوة الاقتصادية الصاعدة، ومكانة الشباب، والعدالة المجالية، والتحول الرقمي، يلامس أسئلة تقع في صميم التجربة السينمائية: أي مغرب نراه على الشاشة؟ ومن يروي حكاياته؟ وإلى أي جمهور تصل هذه الحكايات؟ الاعتزاز بالوطن وصدق الحكاية لعل أكثر ما يستوقف في هذا السياق هو المعنى الذي يمنحه الخطاب للاعتزاز بالوطن، حين يربطه بالمسؤولية. ففي السينما، يتجسد هذا المعنى في علاقة المبدع بمجتمعه، وفي قدرته على الاقتراب من تفاصيله وتناقضاته وآماله. وقد يكون الفيلم الذي يصور حياة أسرة في قرية بعيدة، أو ارتباك شاب أمام مستقبله، أو تحولات حي شعبي، تعبيرا عميقا عن الانتماء، بما يحمله من معرفة بالمكان واهتمام بالإنسان. فالاعتزاز بالمغرب يتسع لحكايات النجاح، كما يتسع للأسئلة الصعبة. وتمنح السينما هذا الاعتزاز عمقا حين تقدم شخصيات حقيقية في مشاعرها ودوافعها، وتترك للمتفرج مساحة للتفكير. إن صورة الوطن تزداد غنى كلما تعددت زوايا النظر إليه، وكلما استطاع الإبداع أن يكشف ما تخفيه الصور المألوفة. الهوية المغربية وتعدد زوايا النظر تبدو الهوية المغربية مادة سينمائية مفتوحة على التجدد. فتعدد اللغات والروافد الثقافية والذاكرات المحلية يمنح الحكاية المغربية إمكانات واسعة. غير أن قيمة هذا التنوع تتوقف على طريقة حضوره في العمل الفني؛ فقد يبقى مجرد خلفية جميلة، وقد يتحول إلى عنصر حي يحدد علاقات الشخصيات ونظرتها إلى العالم. وتكتسب الأفلام عمقها حين تنصت إلى خصوصيات البيئات التي تتناولها، وإلى ما تختزنه من ذاكرة وتحولات. فالمكان يحمل إيقاعا للحياة، وعلاقات اجتماعية، وطرائق في الكلام والصمت. وكلما اقتربت السينما من هذه التفاصيل، ازدادت قدرتها على تقديم المغرب في تعدده، وعلى منح حكاياته المحلية امتدادا إنسانيا يتجاوز الحدود. السينما بين الإبداع والطموح الاقتصادي يثير الطموح الاقتصادي الذي يعبر عنه الخطاب سؤالا حول علاقتنا بالسينما. فنحن نحتفي عادة بالفيلم عند عرضه أو تتويجه، بينما يظل ما وراءه أقل حضورا في النقاش: وقت الكتابة، وجهد التقنيين، وتجهيزات الإنتاج، ومخاطر التمويل، ورحلة البحث عن الجمهور. وكل فيلم يحمل، إلى جانب رؤيته الفنية، حياة مهنية واقتصادية كاملة. والتفكير في السينما باعتبارها صناعة يوسع فهمنا لقيمتها، ويكشف صلتها بالتشغيل والخدمات والاستثمار. لكنه يضعنا أيضا أمام توازن دقيق بين حسابات السوق وحرية الإبداع. فبعض الأفلام يجد جمهورا واسعا بسرعة، وبعضها يحتاج إلى وقت ومساحات عرض مختلفة، وبعضها يستمد أهميته من التجريب أو من حفظ ذاكرة لا تحظى باهتمام تجاري كبير. وتستمد الحياة السينمائية حيويتها من قدرتها على احتضان هذه الاختلافات. فنجاحها الاقتصادي وقيمتها الثقافية يتفاعلان داخل منظومة تتسع للأعمال الجماهيرية وللتجارب التي تختبر أشكالا جديدة في التعبير. الشباب وحكايات البحث عن المستقبل يقود حضور الشباب في الخطاب إلى التفكير في السينما بوصفها فضاء للتعبير عن جيل يبحث عن مكانه. فالشباب يشاهدون الصور وينتجونها ويتداولونها يوميا، ويطورون من خلالها لغة خاصة لفهم أنفسهم والعالم. والسؤال هو مدى قدرة السينما على استيعاب هذه الحساسية الجديدة، ومنحها فرصة للانتقال من التعبير العفوي إلى تجربة فنية مكتملة. وقد تحمل حكايات هذا الجيل تصورا مختلفا للعمل والأسرة والنجاح والانتماء. والإنصات إليها يسمح بفهم التحولات الاجتماعية من الداخل. فحين يتحدث شاب عن رغبته في الرحيل، مثلا، قد يكون خلف كلامه بحث عن الاعتراف أو الاستقلال أو فرصة يعتقد أنها بعيدة عنه. تستطيع السينما أن تمنح هذه التجربة وجها وصوتا وتفاصيل، وأن تجعلها أقرب إلى الفهم. ويمتد هذا الحضور إلى الشباب الذين يختارون العمل في المهن السينمائية، بما يواجهونه من أسئلة حول اكتساب الخبرة واستقرار المسار المهني. وهنا تلتقي الأحلام الفردية بقدرة القطاع على توفير فرص تسمح للموهبة بأن تنمو وتستمر. العدالة المجالية وتجربة المشاهدة في حديث الخطاب عن التنمية الترابية، يبرز سؤال المكان في السينما المغربية. فالجهة التي تظهر على الشاشة موقعا للتصوير قد تظل بعيدة عن مشاهدة الفيلم نفسه. وفي هذه المفارقة ما يستحق التأمل: كيف يمكن للناس أن يروا حكايات مستمدة من محيطهم، وأن يشاركوا في النقاش الذي تفتحه؟ إن العلاقة بالسينما تتشكل أيضا داخل القاعة، في تلك اللحظة التي يتقاسم فيها أشخاص مختلفون تجربة مشاهدة واحدة. وتمنح هذه التجربة للمدينة أو البلدة فضاء للقاء والحوار، وتسمح للأفلام بأن تصبح جزءا من الحياة الثقافية اليومية. ومن هذا المنظور، يكتسب الوصول إلى السينما بعدا يتصل بالعدالة المجالية. فتفاوت فرص المشاهدة يؤثر في علاقة الجمهور بالأعمال، وفي قدرة الأطفال والشباب على اكتشاف لغات فنية وتجارب إنسانية متنوعة. التحول الرقمي وسؤال القيمة الفنية يضيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة إلى التجربة السينمائية. فقد أصبح إنتاج الصور وتعديلها أكثر سهولة، واتسعت إمكانات التجريب، لكن وفرة الأدوات لا تحسم مسألة القيمة الفنية. سيظل السؤال قائما حول ما يجعل صورة ما مؤثرة، وما يمنح حكاية قدرتها على البقاء. وربما ازدادت أهمية التجربة الإنسانية كلما ازدادت قدرة التقنية على محاكاة أشكالها. فاختيار زاوية التصوير، وبناء الشخصية، وإيقاع السرد، تحمل رؤية إلى العالم وموقفا من الإنسان. وتنبع قيمة الأدوات الجديدة من الطريقة التي تدخل بها في هذه الرؤية وتوسع إمكاناتها. كما يعيد الانتشار الرقمي تشكيل علاقة الفيلم بجمهوره، ويطرح أسئلة حول عادات المشاهدة ومكانة القاعة وقدرة الأعمال المغربية على الظهور وسط تدفق واسع من المحتويات. الحكاية المغربية في الحوار مع العالم تمر صورة المغرب في العالم عبر الأفلام التي يقدمها، والحكايات التي يختار مشاركتها. وفي علاقته بعمقه الأفريقي وشراكاته الدولية، تستطيع السينما أن تكشف تفاصيل لا تستوعبها اللغة الرسمية: تشابه الأحلام، واختلاف الذاكرات، وقرب التجارب الإنسانية رغم المسافات. وتبدأ قوة هذا التواصل من صدق الحكاية وخصوصيتها. فالفيلم الذي ينطلق من تجربة محلية دقيقة قد يجد صدى لدى جمهور بعيد، لأن المشاعر والأسئلة التي يحملها تتجاوز مكان حدوثها. وبهذا يصبح الانفتاح على العالم فرصة لاكتشاف الذات أيضا، من خلال الطريقة التي يرى بها الآخر حكاياتنا ويتفاعل معها. يمنحنا الخطاب الملكي، بهذا المعنى، فرصة لإعادة النظر في السينما باعتبارها إحدى الطرق التي يفهم بها المغرب نفسه ويتحاور بها مع العالم. فالمجتمع الذي يتغير يحتاج إلى صور تواكب تغيره، وإلى حكايات تتأمل مكاسبه وأسئلته. وتكمن قيمة السينما في أنها تستطيع أن تمنح هذا التحول وجها إنسانيا؛ وجها نراه على الشاشة، فنكتشف فيه شيئا منا. -رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام The post السينما والخطاب الملكي appeared first on Hespress – هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مباحثات عسكرية مغربية أمريكية بمراكش لتعزيز التعاون الدفاعي
احتضنت فعاليات المعرض الدولي للطيران بمراكش 2026 مباحثات بين مسؤولين عسكريين مغاربة وأمريك…





