المثقف اليوم هل يقرأحقًا؟

بقلم : رشيد المرزكيوي
سحقا لك أيها المثقف، ليس لأنك تقرأ، بل لأنك خدعت القراءة. لأنك جعلت من الكتاب وسيلة لتلميع صورتك لا لتغذية عقلك وروحك. لأنك جلست في المقاهي تتحدث عن الدولة والسياسة والفكر، وتلوّح بأسماء كُتاب ومفكرين، ثم حين نسألك عن مصدر قولك تتذكر لون الغلاف ولا تتذكر اسم المؤلف ما هكذا تُقرأ الكتب، وما هكذا يُبنى الوعي.
القراءة ليست مجرد عادة، وليست وسيلة للتفاخر، بل هي موقف وجودي، رحلة داخلية، وتحوّل مستمر. المثقف الحق لا يقف عند الغلاف، ولا ينسى اسم الكاتب، بل يتذكره كمن يتذكر صديقًا عاش معه رحلة من الألم والتأمل والأسئلة العميقة.
المثقف الحقيقي لا يقرأ ليبهر أحدًا، بل يقرأ لأنه لا يستطيع أن يتنفس من دون الكتاب. لأنه يرى في كل صفحة نافذة على معنى جديد، على وجع قديم، على حقيقة لم تُقل بعد. يقرأ ببطء، يتوقف عند الجمل، يعيدها، يتأملها، يسأل، يشك، يتورط في النص كما يتورط في الحياة.
أما من يكتفون بصورة على إنستغرام لكتاب على طاولة المقهى، أو يقتبسون جملة دون سياقها، أو يتحدثون بلغة لا يفهمونها لمجرد إثارة الانتباه، فهم لا يقرأون، بل يتظاهرون بالقراءة. هم لا يثقفون أنفسهم، بل يصنعون قناعًا هشًا ينهار عند أول سؤال صادق.
كم من الكتب قرأناها فعلًا، وتغيرنا بعدها؟ كم من الصفحات هزتنا حتى البكاء؟ كم مرة أغلقنا الكتاب لأن الحقيقة كانت أقسى مما نتوقع؟ هذه هي القراءة، وليست تلك العروض اليومية على وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعل من الثقافة زينة.
القراءة ليست فخرًا فارغًا، بل تواضع عميق. القارئ الحقيقي كلما قرأ أكثر، أدرك كم يجهل، وكلما غاص أعمق، أدرك كم يحتاج إلى أن يصمت ويتأمل.
لا عيب في أن نبدأ من السطح، لكن العيب أن نبقى هناك. لا عيب أن لا نفهم، العيب أن نتظاهر بأننا نفهم. لا عيب أن نسأل، بل العيب أن نكابر ونُغلف جهلنا بالتعالي.
نحن لا نحتاج إلى مثقفين يتحدثون كثيرًا، بل إلى من يفكرون بصدق، يعيشون الفكرة، ويشاركونها بعفوية لا بتصنّع. نحتاج إلى من يقرؤون كي يغيروا أنفسهم أولًا، ثم يغيروا مجتمعاتهم لا بالكلام، بل بالفعل، بالحوار، بالإصغاء، بالحكمة.
فيا من تسمي نفسك مثقفًا، لا تسأل نفسك كم كتابًا قرأت، بل اسأل: كم فكرة غيرتني؟ كم مرة صمتُّ احترامًا لمعنى لم أفهمه بعد؟ كم مرة قلت “لا أعلم” دون أن أشعر بالحرج؟ هذا هو المقياس، وهذا هو الطريق اقرأ بصدق، تحدث بتواضع، فكر بعمق، وكن مثقفًا لا في مظهرك، بل في جوهرك. إربط المعرفة بالواقع ،من هنا تتحول الثقافة إلى مضمون فكري حقيقي …
مجلة الحرف والكلمة
The post المثقف اليوم هل يقرأحقًا؟ appeared first on موقع التبريس الاخباري.








